من دياغو غارسيا إلى مضيق هرمز: هل رسمت إيران معادلة ردع جديدة؟

من دياغو غارسيا إلى مضيق هرمز هل رسمت إيران معادلة ردع جديدة؟
يعكس إطلاق صواريخ إيرانية بعيدة المدى نحو دييغو غارسيا تحولاً استراتيجياً في قواعد الاشتباك، مؤكداً اتساع نطاق الردع وتهديد القواعد الأمريكية، وسط تناقض بين التصريحات والتحركات العسكرية، ما ينذر بمرحلة تصعيد جديدة....

ـ صواريخ “خرمشهر-4” تطال قاعدة أنكلو-أميركية في المحيط الهندي.. وترامب بين خذلان الناتو والبحث عن حلفاء جدد

ـ عندما تغير الصواريخ قواعد الاشتباك، ففي لحظة فارقة، ربما أعادت تشكيل قواعد الاشتباك في الحرب الاميركية الاسرائيلية ضد ايران، لم تعد طهران تكتفي بفرض شروطها في جغرافيا المعارك، كما في مضيق هرمز أو استهداف القواعد الأميركية في الخليج، فها هي قد ذهبت بعيدا حتى طالت نقطة بعيدة جدا في المحيط الهندي، عندما أطلقت صاروخين باليستيين من طراز “خرمشهر-4” نحو جزيرة دييغو غارسيا، التي تُعَّدُ المعقل الأميركي البريطاني في المحيط الهندي، وعلى مبعدة أكثر من 4000 كيلومتر من الحدود الايرانية.

لم تكن الضربة مجردَ ردٍ عسكري، بل كانت رسالة استراتيجية مزدوجة: الأولى لبريطانيا التي سمحت لأميركا باستخدام قواعدها، والثانية لواشنطن بأن لا مكان آمناً لقواعدها بعد اليوم.

ـ وصول الذراع الصاروخية الايرانية لجغرافيات سحيقة في المحيط:

مراقبون، رأوا ان الاستهداف الايراني بصواريخ خرمشهر ـ 4 لجزيرة دياغو غارسيا، يمثل تطورا عسكريا لافتا، حمل رسائل بالغة الدلالة، فوصول هذه الصواريخ الى هذه القاعدة الاميركية البريطانية المشتركة التي تقبع على بعد 4000 كيلومتر عن حدودها يُعدُّ الأول من نوعه من حيث المدى الجغرافي، كما انه لم يكن مجرد محاولة عسكرية بقدر ما كان رسالة استراتيجية واضحة مفادها ان طهران قادرة على توجيه ضرباتها لأية نقطة في العالم، ولن تتردد في الرد على اية دولة تسمح باستخدام أراضيها أو قواعدها لاستهدافها.

الهجوم جاء بعد ساعات فقط من سماح المملكة المتحدة للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية لشن غارات على مواقع إيرانية، متجاهلة تحذير وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أكد خلال مكالمة هاتفية مع نظيرته البريطانية إيفيت كوبر أن “ذلك يعد مشاركة في العدوان”.

صحيح ان الصاروخين لم يصيبا أهدافهما ـ كما صرح الاميركان، إلا ان مجرد إطلاق صواريخ بهذا المدى يغير المعادلة برمتها. فجزيرة دياغو غارسيا تمثل اهمية استراتيجية بالغة لاميركا وبريطانيا، فهي لا تقتصر على كونها قاعدة عسكرية مشتركة، بل لأنها تضم قاذفات بعيدة المدى وغواصات نووية ومدمرات مجهزة بأنظمة متطورة، وكانت نقطة انطلاق للحروب الأميركية السابقة في أفغانستان والعراق. لذا فإن استهدافها يعني أن طهران أصبحت قادرة على تهديد العمق الاستراتيجي الأميركي خارج حدود الشرق الأوسط، وهو ما يفسر حالة الذعر التي انتابت واشنطن وحلفاءها.

وبقليل من الانصاف، فإن استهداف دياغو غارسيا يبدو كمشهد جديد سعت من خلاله طهران لترسيخ قناعة بأن معادلة الردع قد تغيرت وإلى الأبد؟

يأتي كل ذلك، في وقتٍ أعلن فيه قائد الثورة الاسلامية اية الله مجتبى خامنئي برسالة احتفاء مع شعبه بعيد النوروز اعلن انتصار ايران على الاعداء، في وقت يشهد الجميع التراجع الواضح في التصريحات الاميركية، التي توازيها تحركات عسكرية ميدانية عديدة، حيث تجهد واشنطن لتشكيل تحالفات جديدة في المحيطين الهندي والهادئ، ما يشي بحجم الخيبة والخذلان التي يستشعرهما ترامب من حلفائه التقليديين في الناتو.

ومع عاصفة هذه المعطيات والمتغيرات، ما زال ترامب يعيش تناقضاً صارخاً في تصريحاته وتحركاته. فبينما يعلن على مناصاته الخبرية ان واشنطن “تقترب من تحقيق أهدافها” وتدرس “تقليص جهودها العسكرية الكبيرة في الشرق الأوسط تدريجياً ضد النظام الإيراني”، نجد أن حاملة الطائرات المصغرة “تريبولي” تتجه مسرعة صوب منطقة العمليات، وسط تسريبات تشير إلى أن قرابة 500 ألف جندي من مشاة البحرية (المارينز) في طريقهم إلى منطقة العمليات الأميركية في الشرق الأوسط.

بقليل من التمعن، يتبين أن هذا التناقض ليس عابراً. فالتحركات العسكرية تشير إلى أن البنتاغون يستعد لسيناريو مختلف تماماً عما يعلنه ترامب. فـ”تريبولي”، التي كانت قبالة سواحل الفلبين قبل أيام، تندفع الآن نحو الخليج محملة بطائرات F-35 وطائرات  MV-22B “أوسبري” ومروحيات هجومية، بما يشي أن واشنطن تستعد لمرحلة جديدة من العمليات قد تشمل إنزالاً بحرياً في السواحل الإيرانية المطلة على الخليج، أو احتلال جزر إيرانية استراتيجية قريبة من مضيق هرمز، لتكون بمثابة نقاط انطلاق لعمليات عسكرية لاحقة بغية منع طهران من الاستمرار بغلق المضيق. ويبقى التساؤل العسكري المشكك: هل هذه القوة من المارينز كافية لخوض معارك برية مع عتاة الحرس الثوري المتربصين، وقوات الباسيج المستميتين، ام هي قوة اميركية ستستخدم كأداة ضغط لتحسين الموقف التفاوضي قبل الانسحاب؟

على اية حال، إيران اثبتت قدرتها على الصمود والاستنزاف، ونجحت في توسيع رقعة الصراع لتشمل مناطق بعيدة مثل المحيط الهندي، معلنة أن لا مكان آمناً للقواعد الأميركية في المنطقة أو خارجها بعد اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *