لطالما سعت التحليلات السياسية المعاصرة إلى تفسير الصراعات في الشرق الأوسط بوصفها صراعات تقوم أساسًا على المصالح الجيوسياسية والتوازنات الاستراتيجية. فالدول، وفق منطق العلاقات الدولية، تتحرك عادة بدافع تحقيق مصالحها الأمنية والاقتصادية، وتبني تحالفاتها وفق معادلات القوة والنفوذ. غير أن هذا التفسير، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم التعقيدات العميقة التي استحدث بعضها ليتحكم بطبيعة الصراع في هذه المنطقة، إذ يبقى الدين حاضرًا في خلفية المشهد بوصفه عاملًا مؤثرًا في تشكيل الوعي السياسي والثقافي لدى الشعوب والقيادات على حد سواء.
إن فهم البعد الديني في الصراع لم يكن يعني بالضرورة اختزاله في مواجهة عقائدية خالصة، بل يعني إدراك أن التصورات الدينية والتاريخية يمكن أن تؤثر في طريقة قراءة الأحداث وفي تحديد طبيعة “العدو” أو “الخصم” في التصور الجمعي. ومن هنا يصبح من الضروري دراسة التفاعل بين العقيدة والسياسة بوصفه أحد المفاتيح لفهم كثير من التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.
من المعروف أن المصالح الغربية تتعامل مع قضايا الشرق الأوسط بقدر كبير من البراغماتية السياسية، إذ تقوم سياساتها في الغالب على مبدأ المصلحة الاستراتيجية قبل أي اعتبار آخر. ولهذا السبب لم تتردد واشنطن في إقامة علاقات أو تفاهمات مع أطراف مختلفة تنتمي إلى خلفيات مذهبية أو أيديولوجية متباينة، طالما أن ذلك يحقق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة. وهذا ما يفسر تعدد أنماط علاقاتها مع دول أو قوى إقليمية ذات طبيعة سياسية أو مذهبية مختلفة.
غير أن المشهد يختلف إلى حد كبير مع تفاعلات اسرائيل في المنطقة وتتطابق الرؤى عند النظر إلى الرؤية الأمنية لدى الغرب والكيان الصهيوني ، التي تتعامل مع محيطها الإقليمي من منظور يقوم على إدراك تهديدات وجودية قائمة. وقد تعزز هذا الإدراك بصورة واضحة عند كشف الكثير من التصرفات والتفاعلات السريه ، التي أدت إلى صعود قوى اسلامية كأيران بوصفها قوة إقليمية ترفع خطابًا سياسيًا معاديًا لإسرائيل وتتبنى دعم حركات المقاومة في المنطقة، ومن أبرزها في لبنان.
وقد أدى هذا التحول إلى بروز قراءة ترى أن المواجهة في المنطقة أخذت بعدًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية ليقترب من إطار صراع المذاهب . فإيران، بوصفها دولة ذات نظام سياسي يستند إلى مرجعية دينية شيعية، أصبحت تمثل في نظر إسرائيل أحد أبرز التحديات الاستراتيجية، ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية أو نفوذها الإقليمي، بل أيضًا بسبب الخطاب العقائدي الذي يرافق مشروعها السياسي.
وفي هذا السياق برزت تحليلات تربط بين الصراع السياسي القائم وبين البعد المذهبي داخل العالم الإسلامي. فالتوترات المتزايدة بين التيارين السني والشيعي، التي تفاقمت في أعقاب تحولات إقليمية كبرى بعد محاولات اسرائيل للبحث عن تجاوبات اسلاميه متطرفة فوجدت ضالتها في تطرفات طائفية لها طموحات انتهازية ، أوجدت بيئة ملائمة لخطابات تعبئة طائفية تسهم في تعميق الاستقطاب داخل المجتمعات الإسلامية.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن استمرار هذا الاستقطاب قد يؤدي إلى إضعاف البنية الداخلية للعالم الإسلامي عبر استنزاف طاقاته في صراعات داخلية، وهو ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على موازين القوى الإقليمية. ففي ظل انشغال القوى الإسلامية بصراعات طائفية وتكفيرية تغذيها دول متطرفة، يصبح المجال مفتوحًا أمام القوى الخارجية لإعادة ترتيب التوازنات بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
ومن بين الأفكار التي طُرحت في هذا السياق ما يتعلق بإمكانية قيام تحالفات ذات طابع طائفي مدعوم ماليا وسياسيا، حيث ظهرت في بعض الخطابات المتشددة دعوات إلى تشكيل قوى عسكرية سنية واسعة لمواجهة ما يُنظر إليه على أنه نفوذ شيعي متصاعد في المنطقة تساندها قوى غربيه لها مصالح استراتيجيه ودفع القوى الصهيونيه . وقد نُسبت بعض هذه الطروحات إلى قيادات في الجماعات المسلحة المتطرفه والتكفيرية ، من بينها ،مايسمى بالوهابية قائد تنظيمات مايسمى داع،،ش في سوريا ، الذي تحدث في مناسبات مختلفة عن ضرورة توحيد القوى السنية في مواجهة خصومها الإقليميين.ويعني اتباع ال البيت تحت تأثيرات احقاد طائفية،
ويرى بعض المراقبين أن مثل هذه الأفكار – حتى وإن بقيت في إطار الخطاب الأيديولوجي – تعكس حجم الاستقطاب الذي تشهده المنطقة، كما تثير تساؤلات حول إمكانية تشكل تحالفات غير تقليدية في المستقبل، قد تشمل تقاطعات سياسية مع قوى دولية مثل أو قوى إقليمية مثل في إطار مواجهة خصوم مشتركين.
غير أن قراءة المشهد بموضوعية تقتضي الاعتراف بأن الواقع الإقليمي أكثر تعقيدًا من اختزاله في معادلات مذهبية وان كانت كبيرة ومؤثرة. فالعلاقات الدولية لا تُبنى على الهوية الدينية وحدها، بل تتداخل فيها عوامل متعددة تشمل المصالح الاقتصادية والتوازنات العسكرية والتحالفات السياسية.
وفي المقابل، يحتفظ الوعي الديني لدى كثير من المسلمين، ولا سيما أتباع مدرسة أهل البيت، برمزية تاريخية قوية لشخصيات إسلامية مثل الإمام علي عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام، اللذين يمثلان في الذاكرة الإسلامية نموذجًا للثبات على المبادئ ومواجهة الظلم. وقد تحولت هذه الرموز عبر التاريخ إلى مصادر إلهام روحي وثقافي لدى قطاعات واسعة من المسلمين.
وهكذا يتضح أن الصراع في الشرق الأوسط لا يمكن فهمه من خلال عامل واحد فقط. فهو ليس صراعًا سياسيًا خالصًا، ولا مواجهة دينية بحتة، بل هو تفاعل معقد بين العقيدة والسياسة والاقتصاد والتاريخ. إن إدراك هذه الطبيعة المركبة للصراع يمثل خطوة أساسية لفهم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، ولتفسير مسارها في السنوات القادمة.


