في مشهد دبلوماسي نادر يكشف عن ملامح تحول جذري في العلاقات الدولية وجهت اليابان صفعة دبلوماسية قاسية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفضها القاطع المشاركة في التحالف البحري الذي سعت واشنطن لتشكيله لحماية الملاحة في مضيق هرمز لتؤكد طوكيو بذلك أن زمن التبعية العمياء للحليف الأكبر قد ولى وأن قرارها السيادي بات عصياً على الضغوط أو التغريدات المفاجئة التي اشتهرت بها شخصية ترامب الاندفاعية. هذا الموقف الذي صدر عن مسؤولين يابانيين رفيعي المستوى وجاء محمّلاً بدلالات واضحة مفادها أن اليابان تمتلك رؤيتها الخاصة للأمن الإقليمي وهي رؤية تختلف جوهرياً عن الاستراتيجية الأمريكية التي غالباً ما تضع حلفاءها في خط النار بينما تبقى هي بمنأى عن العواقب المباشرة. فعندما يصرّ صناع القرار في طوكيو على أن خياراتهم تستند إلى المصالح القومية والقوانين الخاصة حصراً فإنهم لا يشرحون أسباب الرفض فحسب بل يبعثون برسالة شديدة اللهجة إلى البيت الأبيض مفادها أن اليابان لم تعد مستعدة لأن تكون ورقة ضغط في أيدي إدارة تفتقر إلى الرؤية الواضحة وتتعامل مع قضايا الحرب والسلم كصفقات تجارية.
لم يكن هذا الرفض الياباني مجرد تملص من مهمة عسكرية بل كان إدراكاً عميقاً لطبيعة المصيدة التي كانت تتهيأ لطوكيو في مياه الخليج الفارسي فمضيق هرمز الذي تعبر منه ناقلات النفط اليابانية لم يعد مجرد ممر مائي عادي بل تحول إلى ساحة مواجهة محتملة مليئة بالألغام والطائرات المسيّرة الانتحارية والصواريخ الباليستية التي تمتلكها إيران والتي قد تجعل من أي سفينة حربية يابانية هدفاً مشروعاً للانتقام. اليابان التي تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها النفطية من هذه المنطقة تدرك أن التواجد العسكري بجانب القوات الأمريكية لن يوفر حماية إضافية لسفنها بل على العكس قد يجعلها في مرمى النيران لتصبح شريكاً في عدوان بدلاً من أن تظل طرفاً محايداً يمكنه التفاوض مع كل الأطراف. لذلك فضّلت طوكيو الحلول الدبلوماسية والتفاهمات المباشرة مع إيران، التي تربطها بها علاقات تاريخية لم تنقطع حتى في أحلك الظروف واضعةً بذلك اعتبارات أمن الطاقة ودماء جنودها فوق أي اعتبارات للالتزام الأعمى بتحالف عسكري تقوده واشنطن.
يمثل هذا التمرد الياباني اللافت بمثابة المسمار الأول في نعش التحالف الدولي الذي سعت إدارة ترامب لحشده ضد إيران ليكشف عن هشاشة التحالقات الأمريكية التي تعتمد على منطق الإكراه بدلاً من الاقتناع. فرفض حليف بحجم اليابان التي تتمركز على أراضيها أكبر القواعد الأمريكية في آسيا يعكس حالة إحراج شديدة لواشنطن ويؤكد أن العالم لم يعد مستعداً للانضمام إلى حملة رجل الإطفاء الذي يشعل الحرائق وهو تطور يبعث برسائل مطمئنة إلى إيران مفادها أن العزلة الأمريكية هي السائدة وليست العزلة الإيرانية. بهذا القرار تكون اليابان قد رسمت خطاً أحمر جديداً في علاقاتها الدولية مؤكدة أن دم جنودنا ليس ثمناً لتأمين صفقاتك السياسية لتتحول بذلك من تابع يلتزم بتعليمات الحليف الأكبر إلى قوة إقليمية تمتلك زمام قرارها وتعيد ترتيب أولوياتها بما يخدم استقرارها أولاً ولو كان ذلك على حساب إحراج أقوى حلفائها التقليديين.


