حينما تأجج العدوان التكفيري الهمجي البربري لداعش والقاعدة واخواتها في الأراضي العراقية في التاريخ القريب جداً، راح ضحيته عشرات الآلاف من العراقيين بين ذبحٍ وتفجيرٍ وتفخيخ واغتيالات بالجملة، وباتت جغرافية العراق عبارة عن بركٍ من الدماء النازفةِ والجثث المتناثرة بوتيرةٍ مروعة لا تنقطع، وحينما استمكنت دااعش واخواتها ونشبت اظفارها بالجسد العراقي بصورة انتهاكٍ كاملٍ للسيادة، واستلبت العديد من المدن العراقية، واصبح سقوط بغداد واربيل قاب قوسين او ادنى بيد الذباحين والتكفيريين الدوااعش، لم تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية مكتوفة الايدي، ولم تلعب دور المتفرج لوقائع الاحداث الدموية، بل اعتبرت العدوان بمثابة عدوان على أراضيها وشعبها ومقدساتها.
ففي الوقت الذي طالب العراق الولايات المتحدة الأميركية التي يرتبط معها باتفاقية دفاعية ناجزة فاعلة (الاتفاقية الأميركية العراقية) يفترض انها تلزم الاميركان بمد يد العوان للعراقيين في وقت الشدة، رأينا الاميركان تنصلوا عن مساعدة العراقيين في اوج شدتهم، وفي ذروة احتياجهم للسلاح والعتاد، حيث سوّفوا وماطلوا وقالوا للعراقيين: “سنسلمكم اول دفعة من السلاح في غضون 24 شهرا” او يزيد. وذات الحال مع بلدان ما يسمى بقوات (التحالف) التي أسهمت في حربها ضد العراق في الماضي، ناهيك عن تخاذل وتقاعس كل البلدان الجارة والخليجية والإقليمية عن مد يد العون للعراق في ازمته المصيرية الوجودية الفادحة تلك.
غير اننا رأينا أنّ ايران بادرت على الفور بارسال اكبر قادتها وجنرالاتها العسكريين وخيرة مخططيها وصفوة مقاتليها وقدمتهم كرديفٍ عسكري يدعم القادة العراقيين في حربهم ضد داعش، وبالطبع كان هؤلاء الإيرانيين مردفين ومعززين باطنان من السلاح والعتاد والتي سلمت للعراقيين مباشرة وباستمرارية حتى تمكنت القوات العراقية وجلها من الرجال والشباب المتطوعين الذين لبوا فتوى الجهاد المقدس التي اطلقتها المرجعية العليا في النجف الاشرف، والذين انطلقوا على الفور على ظهور الشاحنات الصغيرة والكبيرة متوجهين صوب جبهات القتال لمواجهة المد الدموي الدااعشي، أقول حتى تمكن هؤلاء الابطال من فرض واقع جديد على الدواعش الدمويين، فكان السلاح والعتاد والدعم اللوجستي والتخطيطي والتنفيذي الايراني خير عون للعراقيين في حربهم ضد الدواعش في تلك الأعوام العجاف 2014-2017، حتى حقق العراقيون نصرهم المؤزر على الدواعش الدمويين صنيعة تل ابيب وواشنطن (باعترافاتهم الأخيرة)، بعد ان قدم العراقيون عشرات الالاف من الشهداء وبجنبهم اكثر من (165 شهيداً إيرانيا بينهم قادة كبار) كانوا قد سقطوا في السواتر العراقية كتفا بكتف وسلاحا مع سلاح بجنب إخوانهم العراقيين، حتى اني حضرت شخصيا محفلا تأبينيا لاحياء ذكرى هؤلاء الشهداء عُقد في بغداد في احدى مقار الحشد الشعبي عام 2017.
وفي مجال حيوي آخر لا يقل أهمية عن حروب المصير، وهو الدعم الاقتصادي، فمع استمرار بقاء (ملف الكهرباء) بيد الاميركيين كي يستخدموه ورقة ضغط ضد الحكومات العراقية وافرادها واحزابها، وبات سلاحا اميركيا مصوباً ضد العراقيين يستعملونه كفيتو ضد أي قرارات عراقية لحل ازمة الكهرباء المستديمة منذ سقوط الصنم الصدامي وحتى الساعة، إذ بقيت مقدرات ملف الكهرباء بيد الاميركيين طيلة الحكومات السابقة وحتى اللحظة. وفي أوار هذه الازمة المستديمة ومعاناة العراقيين خصوصا في فصول الصيف، كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خير معين للعراق بتزويده بالغاز التي هي باحوج من العراق اليه حيث تعاني هي ذاتها من ازمة في انتاج الغاز نتيجة العقوبات الاقتصادية الغربية عليها منذ 47 عاماً، لكنه كانت تؤثر العراقيين على أبنائها في هذا المجال، وتضخ للعراق كميات هائلة من امدادات الغاز، ودون حتى تستلم اثمان هذه الدفعات المتواصلة من الغاز، حيث باتت مديونية العراق لإيران في عمليات شراء الغاز المؤجلة ملايين الدولارات سنويا وبارقام مضاعفة، حتى ان الحكومة الإيرانية ضاقت ذرعاً بهذا الوضع وصممت عدة مرات على قطع الغاز عن العراقيين غير ان قائد الثورة الإسلامية الشهيد اية الله علي الخامنئي كان يرفض ذلك ويحول دون قطع امدادات الغاز عن العراقيين في كل مرة ويضغط باتجاه استمرار تلك الامدادات، مع العلم ان ايران هي التي تحملت جميع كلفة انشاء الخطين الغازيين العابرين الى العراق احدهما على مدينة بسماية قرب العاصمة والأخر الى البصرة، حتى انها قدمت (16) عاملاً ومهندساً نفطياً كشهداء حينما كانوا ينصبون ويلحمون انابيب الغاز في منطقة حمرين الخطرة للغاية حيث كمن لهم الدوااعش وذبحوهم ذبحاً امام عدسات الكاميرا وبثواها في (وكالة أعماق) التي كانوا يديرونها.
ورغم ذلك واصلت ايران عملها الدؤوب مع كل تلك المخاطر الجمة حتى تم انجاز هذين الخطين الاستراتيجيين الذين ينقلان الغاز الى البصرة وبسماية وتعتمد عليهما العديد من محطات توليد الكهرباء في البلاد، وبدونهما يعم الظلام والحر في مدن عديدة في البلاد.
ولو كنا في وارد استعراض المواقف المشرفة للجمهورية الإسلامية الإيرانية المناصرة للقضايا العراقية ناهيك عن مواقفها حيال القضايا العربية والإسلامية لطال بنا المقام ولاحتجنا الى مجلدات لتفصيل تلك المواقف المشرفة التي تعبر عن اخوية حقيقة ومناصرة مصيرية مع العراق.
أقول، ومع اشتداد هذه الحرب الظالمة المتجبرة المتغطرسة على أراضي ومصالح الجمهورية الإسلامية في ايران ومنذ اكثر من أسبوعين، ومع اصطفاف ملايين الجماهير في العواصم والمدن العالمية التي خرجت مناصرة لإيران ودعما لها وابرازاً لحقانيتها في هذا الحرب وادانتهم لاميركا واسرائيل ولجرائمهم البشعة في هذه الحرب كقتل مئات الأطفال في مدارسهم وتقتيل المدنيين في دوائرهم ومنازلهم، أقول أليس من المفترض ان يكون للعراق وللعراقيين موقفٌ آخر اشد مناصرةً واشد التصاقا مع حقانية ايران في الحرب المفروضة عليها من قبل اميركا وإسرائيل المتجبرتين المتغطرستين؟، ثم أليس من واجب الاخوة ومن باب رد الجميل ان يكون للعراقيين كسلطة تنفيذية وسلطة تشريعية وجماهير شعبية ان يكون لها مواقف اشد تعبيرا واكثر إجراءات في مناصرة ايران على الصعد الحكومية والجماهيرية، خصوصا واننا تعرضنا خلال هذه الحرب الظالمة لنصيب كبير من الضرر، حيث سقط لنا العشرات من الشهداء بعد ان استهدفت واشنطن وتل ابيب العديد من مقرات قواتنا الأمنية لاسيما قوات الحشد الشعبي التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من القوات الأمنية وجسدا لا ينفصل من الجسد الأمني العراقي والعامل وفق مقررات تنفيذية وبرلمانية عديدة.
على اية حال، تلك تذكيرات كان من الواجب على الاعلام المنصف والمؤرخين والموثقين ان يُذَكِّرُوا بها ارباب السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل وجميع القائمين بأمر هذا البلد، فحجم الجميل الذي قدمته الجمهورية الإسلامية للعراق لا يعد ولا يحصى ولا يقاس بحجم ما نلمسه من تظاهرات لبعض المخلصين ولبعض القوى المقاومة البطلة في الجسد العراقي، فهل الباقي من العراقيين ناكرو جميلٍ لإيران؟ لا سمح الله، تساؤل مشروع ابرزته طبيعة وقائع ردود الأفعال العراقية. والله من وراء القصد.


