ليس في التاريخ المعاصر لحظة تشبه فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026. ليست لأن الطائرات أمطرت سماء طهران، فقد أمطرتها من قبل بأشكالٍ أخرى. بل لأن واشنطن وتل أبيب ظنّتا — بيقينٍ مذهلٍ في سذاجته — أن اغتيال الرأس يعني موت الجسد.
أطلقت إسرائيل على عدوانها اسم “زئير الأسد”، وسمّته أمريكا “الغضب الملحمي”. وأعلن ترامب أن الهدف هو إسقاط النظام. هكذا، بهذه البساطة. كأن ثورةً عمرها نصف قرن هي بناية من كرتون يكفي أن تهبّ عليها ريح لتسقط.
الرد الذي لم يكن في الحسبان
أُعلن مقتل المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. ساعاتٌ من الصمت المطبق ظنّت فيها غرف العمليات في البنتاغون أن المهمة أُنجزت. يمكنك أن تتخيّل التقارير ترفع إلى الطابق السابع: “الهدف محقق. ننتظر الانهيار.”
لكن الانهيار لم يأت.
أطلقت إيران عملية “الوعد الصادق 4”. والاسم ليس اختياراً عشوائياً. إنه الرابع في سلسلة. كأن إيران تقول: نحن لا نرتجل، بل نتابع ما بدأنا.
ما تلا ذلك لا يمكن وصفه إلا بالطوفان المنهجي. موجة تلو موجة، من التاسعة عشرة إلى الثانية والثلاثين. صواريخ “خيبر” و”خرمشهر 4″ تضرب حيفا وتل أبيب ومطار بن غوريون والأسطول الخامس في البحرين. اثنتان وثلاثون موجة في أيامٍ معدودة. هذا ليس رد فعل. هذا حرب استنزاف مدروسة تقول لواشنطن: لقد دخلتَ متاهةً لا تعرف كيف تخرج منها.
المرشد الثالث: ولادة من رحم النار
وفي خضمّ هذا كله جاء الإعلان الذي قلب الطاولة: تعيين السيد مجتبى خامنئي مرشداً أعلى خلفاً لوالده.
كان ترامب قد صرّح بأن أي مرشد تختاره إيران “لن يبقى طويلاً” ما لم يحظَ بموافقة واشنطن. وهدّدت إسرائيل باستهداف “كل من يخطط للمشاركة في جلسة اختيار الخليفة”.
فكّروا في حجم الوقاحة الإمبريالية. أمةٌ تقول لأمةٍ أخرى: أنا من يقرر من يحكمك. هذا ليس سياسة، هذا عقلية مزرعة.
وماذا فعل مجلس الخبراء؟ اجتمع. وصوّت. وأعلن. تحت القصف.
يُعدّ السيد مجتبى من أكثر الشخصيات غموضاً داخل هرم السلطة. لم يتولَّ منصباً حكومياً، ولم يُعرف بخطابات علنية. القائد الذي لا تعرف صوته ولا ملامح تفكيره — أخطر بكثير ممن يظهر على الشاشات كل يوم. الأول تقرأه. والثاني يقرأك.
وكان أول قرار قيادي له: الموجة الثلاثون بأمره المباشر. لم يبدأ بخطاب. بدأ بموجة نارية. هذا رجلٌ يعرف أن أول ما يُطلقه القائد حين يتسلّم الراية — ينبغي أن يكون رسالة لا تحتمل التأويل.
الساحات تتكلم
هل “وحدة الساحات” شعار أم حقيقة؟ الجواب جاء بالنار والحديد.
حزب الله أطلق طائرات مسيّرة وصواريخ على قواعد إسرائيلية رداً على مقتل السيد خامنئي. والمقاومة العراقية أعلنت مسؤوليتها عن أكثر من 23 هجوماً على أصول أمريكية في أربيل. وأعلنت كتائب حزب الله وحركة النجباء الدخول في الحرب لمساندة إيران.
هذا ما لم تفهمه واشنطن يوماً. “وحدة الساحات” ليست اتفاقية مكتوبة على ورق، بل عقدٌ مكتوب بالدم في وجدان أجيالٍ تربّت على ثقافة الشهادة. لا يمكنك تفكيكها بالقصف، لأنها ليست بنية تحتية… بل بنية فوقية في أعماق الوعي.
أما دولياً، فقد وصفت روسيا الضربات بأنها “عمل عدواني غير مبرر ضد دولة ذات سيادة”، ووصفتها الصين بأنها “انتهاك صارخ لسيادة إيران”. والأهم من الكلام: معاهدة شراكة استراتيجية مع روسيا لعشرين عاماً، وبرنامج تعاون مع الصين لخمسة وعشرين عاماً، و48 مقاتلة Su-35 بدأ تسليمها أوائل 2026. الدعم ليس دائماً دبابات. أحياناً يكون قمراً صناعياً يخبرك أين يتمركز العدو، وأحياناً فيتو في مجلس الأمن يتيح لك أن تقاتل دون أن يُفرض عليك وقف إطلاق النار.
خاتمة: الحساب الذي لم تجره واشنطن
هناك حقيقة بسيطة غابت عن عقل المخطط الأمريكي: الأمم لا تُقتل بقتل قادتها.
اغتالوا الإمام الحسين (عليه السلام) فانبثقت كربلاء. اغتالوا سليماني فتوالدت الأذرع. اغتالوا نصر الله فتضاعف الغضب. والآن اغتالوا السيد الخامنئي… فنصّب مجلس الخبراء مرشداً جديداً في أيام، وتوحّدت الساحات أكثر من أي وقت مضى، وردّت طهران باثنتين وثلاثين موجة.
قال مايكل ماكفول، السفير الأمريكي الأسبق: “تاريخياً، الحملات الجوية لا تؤدي إلى إسقاط أنظمة.” فما الذي راهن عليه ترامب إذن؟ على الغطرسة. والغطرسة — كما يعلّمنا التاريخ — أسوأ مستشارٍ عسكري.
فَقَدَ السيد مجتبى والده وزوجته في الضربة نفسها — ثم وقف ليقود أمة في حرب. ليست هذه سياسة. هذه عقيدة تمشي على قدمين.
أعظم آلة حربية عرفها العالم الحديث وذراعها الصهيونية في قلب المنطقة اجتمعتا على أمةٍ واحدة… فلم تركع. لأن الأمم التي تُبنى على عقيدة لا تُهزم بطائرة. والثورات التي تُصاغ بدم الشهداء لا تموت بقرار رئيس.
والوعد الصادق لم يكتمل بعد.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (سورة الإسراء: 51)


