المقدمة:
من الضربات الجوية إلى مأزق الأرض
مع انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في فبراير 2026، اتضح سريعًا أن الضربات الجوية المكثفة عاجزة عن إحداث انهيار في بنية النظام الإيراني أو شل قدراته. الرد الإيراني عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة أكد قدرة طهران على إدارة حرب استنزاف متعددة الجبهات.
في هذا السياق، برزت المعضلة الكبرى للتحالف: غياب قوة برية قادرة على الحسم. وهنا بدأت الأنظار تتجه نحو مصر باعتبارها “الرهان الكبير”، في سيناريو يعيد إلى الأذهان تجارب تاريخية مريرة من التورط في مستنقعات إقليمية مفتوحة.
أولاً: الإغراءات والضغوط – مصر بين الطموح والحذر
تلوّح واشنطن وحلفاؤها الخليجيون بدعم مالي ضخم لتعويض المخاطر المحتملة مقابل مشاركة مصرية فعالة في العمليات البرية. كما يُسوَّق التدخل باعتباره ضرورة قومية لحماية الأمن العربي من النفوذ الإيراني، وإعادة تموضع مصر كقائدة للمنطقة.
لكن القاهرة تدرك أن حروب الشرق الأوسط نادرًا ما تبقى محدودة، وأن الانخراط في مواجهة مفتوحة قد يجر البلاد إلى استنزاف طويل الأمد، مما يجعل القرار محفوفًا بالمخاطر رغم الإغراءات.
ثانياً: العراق – حائط الصد ومقاومة شديدة ومكلفة
السيناريو المطروح يشمل نقل القوات المصرية عبر البحر المتوسط إلى الموانئ السورية الخاضعة للتحالف، ثم التوجه برًا نحو الحدود العراقية الغربية.
غير أن العراقيين لن يتسامحوا مع دخول جيوش أجنبية، وسيعتبرون ذلك احتلالًا مباشرًا، ما يفضي إلى حرب عصابات وكمائن في المدن والصحارى. أي انتشار مصري سيواجه هجمات مستمرة وخسائر بشرية ومادية كبيرة، فيما تصبح خطوط الإمداد الطويلة أهدافًا سهلة. هذه الخسائر ستنعكس على الداخل المصري، حيث ستتصاعد الأصوات الرافضة للحرب، وتُحمّل القيادة السياسية مسؤولية الانجرار إلى مواجهة لا تخص مصر مباشرة.
ثالثاً: اليمن – شبح الستينات يعود عبر باب المندب
يسيطر الحوثيون على صنعاء ويواصلون هجماتهم على السفن في البحر الأحمر، مهددين الملاحة الدولية وقناة السويس. التدخل المصري سيكون إلى جانب حكومة عدن المدعومة سعودياً، ما يضع القاهرة في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين.
هذه المواجهة تعني دخول حرب استنزاف طويلة، إذ يتقن الحوثيون حرب الجبال والأنفاق ويمتلكون ترسانة صاروخية متطورة. أي توتر في البحر الأحمر سينعكس مباشرة على قناة السويس، فيما يلتهم الإنفاق العسكري جزءًا كبيرًا من الدعم المالي الموعود. وهنا يتكرر شبح الستينات حين خرج الجيش المصري منهكًا من حرب اليمن، وهو ما انعكس على أدائه عشية حرب 1967.
رابعاً: التصعيد نحو إيران – عبور خط اللاعودة
في حال ضغط واشنطن وتل أبيب لتحقيق نصر حاسم، قد تُدفع القوات المصرية نحو العمق الإيراني، خصوصًا إقليم خوزستان. لكن الحرس الثوري و”الباسيج” قادران على تحويل المدن الحدودية إلى ساحات حرب شوارع تستنزف أي قوة تقليدية.
أي حرب طويلة في إيران قد تشعل احتجاجات شعبية مصرية واسعة ضد حرب لا تخصهم، مما يحول الأزمة العسكرية إلى تهديد مباشر للاستقرار السياسي. كما أن الصين وروسيا ستتحرك دبلوماسيًا لاحتواء الأزمة، ما يضع مصر في مواجهة مع قوى كبرى تعارض توسع الحرب. الأخطر أن الولايات المتحدة قد تترك مصر تواجه مصيرها وحدها بعد أن تورطت في جبهات متعددة، وهو سيناريو يضاعف حجم الكارثة.
خامساً: النتائج الاستراتيجية – ميزان الربح والخسارة
إيران ستخرج منتصرة سياسيًا بعد صمودها أمام التحالف، مجبرة القوة البرية الوحيدة على الانسحاب.
مصر ستكون الخاسر الأكبر، تواجه كارثة عسكرية واقتصادية وسياسية، وتفقد جزءًا من قوتها الإقليمية. أما إسرائيل وأمريكا، فرغم تكبيد إيران خسائر، سيبقى الهدف الاستراتيجي بعيد المنال، مما يمثل فشلًا استراتيجيًا للتحالف.
الخاتمة: درس الماضي وإنذار المستقبل
الرهان على مصر كقوة برية في مواجهة إيران ليس مجرد خيار عسكري، بل مقامرة استراتيجية كبرى. العراق واليمن يشكلان بوابتين مفتوحتين على جحيم استنزاف طويل، يعيد إلى الأذهان مأساة الستينات في حرب اليمن.
اليوم، الظروف أشد تعقيدًا: مقاومة عراقية شرسة، تضاريس يمنية قاسية، وضغوط اقتصادية متزايدة. أي تورط مصري قد يقترن بتخلي الولايات المتحدة عنها في لحظة حرجة، لتجد القاهرة نفسها وحيدة في مواجهة مصير محتوم.
الحكمة تقتضي أن تركز مصر على معالجة مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية العاجلة، من التضخم وتراجع قيمة العملة إلى الضغوط على قناة السويس والسياحة، بدل الانجرار إلى حرب قد تقصم ظهرها وتعيدها سنوات إلى الوراء. القوة الحقيقية ليست في الانخراط في صراعات الآخرين، بل في بناء الداخل القوي القادر على مواجهة التحديات.
درس الماضي واضح: مأساة الستينات يجب أن تكون جرس إنذار، لا مجرد ذكرى تاريخية، وعلى مصر أن تختار طريق التنمية والاستقرار، لا طريق المستنقعات التي لا مخرج منها إلا بخسائر فادحة.


