منذ عقود يتكرر شعار (كلا كلا أمريكا.. كلا كلا إسرائيل) في الخطاب السياسي التعبوي الإيراني، بوصفه جزءا من الهوية الثورية للنظام منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. وفي السياق ذاته يتكرر الحديث عن جاهزية إيران، الدولة والثورة، لخوض معارك كبرى، في إطار خطاب يربط الصراع السياسي بمعايير دينية تتصل بزمن الانتظار في المنظور المذهبي لدى الإمامية الاثني عشرية.
في المقابل، لم تبتعد إسرائيل عن توظيف الرمزية الدينية في توصيف صراعها مع إيران، إذ جرى استدعاء مسميات تاريخية ذات بعد ديني في توصيف المواجهة بين ما يشار إليه أحيانا بصراع اليهود والفرس.
لكن السؤال الأهم لم يعد مرتبطا بطبيعة الخطاب التعبوي لدى الطرفين، بل بمدى تطور الاستعداد القتالي الفعلي بين إيران من جهة، والتحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة أخرى.
في ضوء وقائع الأيام القليلة الماضية، تبدو الإجابة في عدد من المؤشرات الأساسية… لعل أبرزها :
أولا: لم يكن المشهد الميداني في اليوم التالي خارج التصورات التي سبقت اندلاع المواجهة، إذ تحدثت التصريحات الإيرانية مرارا عن احتمال توسيع رقعة الحرب لتأخذ طابعا إقليميا وربما دوليا تحت عناوين دينية وسياسية كبرى. وفي المقابل تواصل القوات الأمريكية والإسرائيلية تنفيذ نمط عمليات يقوم على القصف الدقيق والتحييد التدريجي لمقرات الحرس الثوري ومنصات إطلاق الصواريخ ومخازنها.
ورغم أن هذا التحييد لم يصل بعد إلى النتائج الحاسمة المتوقعة، فإن كثافة النيران تشير إلى أن معظم القدرات العسكرية لدى الطرفين لم تدخل مرحلة الاستنفار الكامل حتى الآن. وهذا يفتح الباب أمام احتمال ظهور مفاجآت قتالية إيرانية في تكرار سيناريو اليوم التالي، عبر إظهار قدرات عسكرية غير متوقعة.
ثانيا: أدت الضربات الإيرانية التي طالت بعض دول الخليج العربي إلى تقليص جزء من كلفة المواجهة المباشرة بالنسبة للقوات الأمريكية. فهذه الدول كانت قد استثمرت مسبقا في منظومات دفاع جوي متقدمة مثل باتريوت وثاد لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، وهي منظومات باهظة الكلفة صممت أساسا لمواجهة هذا النوع من التهديدات. وفي المقابل اتجهت القوات الأمريكية إلى استخدام طائرات مسيرة أقل كلفة مثل مسيرات لوكاس، التي تعتمد في بعض تقنياتها على مبادئ هندسة عكسية مشابهة لتقنيات المسيرات الإيرانية من طراز شاهد.
ثالثا: تبدو المواجهة أيضا مفتوحة على جبهة جديدة تتمثل في الحرب الإلكترونية والسيبرانية، إضافة إلى استخدام تقنيات الموجات الكهرومغناطيسية لتعطيل أنظمة القيادة والسيطرة. وهذه الأدوات تمنح الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقا تقنيا واضحا، لكنها في الوقت ذاته قد تدفع إيران وحلفاءها، بما في ذلك الصين وروسيا، إلى تطوير بدائل تقنية لمواجهة هذه المرحلة الجديدة من الصراع. فالمعركة لا تقتصر على الصواريخ والطائرات، بل تمتد إلى صراع تكنولوجي معقد يستهدف البنية العسكرية والسياسية للطرف الآخر.
رابعا: على الرغم من تأكيد طهران قدرتها على السيطرة على مضيق هرمز، فإن أسواق النفط العالمية ما زالت تتعامل مع التهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق بدرجة من الحذر دون الوصول إلى حالة الذعر الكامل. ويعود ذلك إلى احتمال تدخل قوى بحرية دولية لمرافقة ناقلات النفط عبر المضيق، بما في ذلك سفن حربية فرنسية وبريطانية وربما حتى صينية وروسية، الأمر الذي قد يقلص من فاعلية التهديد الإيراني بإغلاق كامل للممر الذي يمر عبره نحو 20 ٪ من تجارة النفط العالمية.
خامسا: قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة مسار الصراع هو التركيز على الضربات الجوية وحدها، لأن جوهر المواجهة يتصل أيضا بما يمكن وصفه بأسلوب الضغط التفاوضي الذي ميز سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة الأزمات الدولية، حيث يجري الجمع بين التصعيد العسكري والضغط السياسي لفرض وقائع جديدة على الأرض. وفي هذا السياق تبرز مؤشرات حساسة، من بينها الاتصالات مع قوى معارضة داخل إيران، وردود الفعل الإيرانية مثل قصف مقرات بعض الفصائل الكردية في إقليم كردستان العراق.
واقع الحال يشير إلى احتمال دخول الأبعاد الاستخبارية والسياسية الداخلية في صلب المواجهة. فوجود شبكات استخبارية أو قوى معارضة داخل إيران قد يوفر أدوات إضافية للضغط على النظام، خصوصا في ظل التنوع القومي والاجتماعي داخل البلاد، والذي يشمل الأكراد والعرب والبلوش والآذريين، إلى جانب الفرس الذين يسيطرون على مفاصل الدولة.
في هذا السياق يكتسب موضوع اختيار المرشد الأعلى الجديد أهمية استثنائية، إذ قد تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في التصعيد أو البحث عن مخرج تفاوضي يحقق الحد الأدنى من المكاسب السياسية قبل أن تتغير موازين القوة في الميدان.
ومع ذلك يبقى حسم المعارك عسكريا مسألة محفوفة بكثير من الشكوك. فغياب الضربات الاستراتيجية الحاسمة، مثل إغراق حاملات الطائرات الأمريكية أو تدمير واسع للمدن الإسرائيلية أو وصول الصراع إلى عتبة التهديد النووي، يعني أن الحرب ما زالت تدور ضمن سقف محسوب من التصعيد.
غير أن توسيع رقعة المواجهة ليشمل الخليج وتركيا وربما شرق المتوسط، بما في ذلك قبرص، قد يضعف الموقف السياسي الإيراني في المحافل الدولية، ويدفع حتى بعض شركائها الدوليين إلى حسابات أكثر حذرا تحت ضغط المصالح الاقتصادية لدول الخليج ومخاوف حلف شمال الأطلسي.
وفي المحصلة، تبدو المعركة مفتوحة على احتمالات متعددة، بينما يبقى الحسم العسكري الشامل أمرا غير مرجح في المدى القريب.
ويبقى القول: لله في خلقه شؤون.!!


