ليس من الواقعية ولا من الحكمة ولا من المنطق أن يقال للعراقيين إنهم بعيدون عن الحرب المشتعلة في المنطقة .. فهذه الحرب العدوانية التي يشنّـها الأمريكيون والصهاينة على الجمهورية الإسلامية في إيران ليست حرباً جغرافية محدودة، ولا معركة يمكن حصرها داخل حدود دولة بعينها، بل هي مواجهة واسعة تمتد آثارها إلى كامل الجغرافيا الإقليمية، وفي مقدمتها العراق ..
إن الذين يروّجون لفكرة أن العراق بعيد عن هذه الحرب إنما يحاولون خلق “وهمٍ مريح” يختبئون خلفه، أو يهيئون لأنفسهم مساحة للهروب من مسؤوليات المرحلة. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن العراق، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، وبحكم تاريخه ودوره في معادلات المنطقة، يقف اليوم في قلب هذه المواجهة، شاء البعض أم أبى.
الحرب التي تستهدف إيران الإسلامية ليست حرباً ضد الإيرانيين فقط، ولا هي حرب ضد الشيعة وحدهم، ولا حتى ضد المسلمين فحسب ..
إنها حرب تستهدف شعوب المنطقة بأسرها، على اختلاف أديانها ومذاهبها وقومياتها .. إنها حرب على:
١- إرادة الاستقلال.
٢- حق الشعوب في امتلاك قرارها السيادي.
٣- كل مشروع يرفض الهيمنة الأمريكية والصهيونية على مقدرات هذه المنطقة.
لقد أثبتت التجارب القريبة والبعيدة أن المشروع الإرهابي الأمريكي – الصهيوني لا يعترف بحدود، ولا يكتفي بإخضاع دولة دون أخرى .. فمن العراق إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن، تتكرر محاولات إخضاع الشعوب وإرغامها على القبول بمعادلات القوة المفروضة من الخارج ..
وكل مَـن يظن أن بإمكانه الوقوف على الحياد أو الاحتماء خلف الجدران الوهمية سيكتشف عاجلاً أم آجلاً أن نار هذه الحرب ستطرق بابه أيضاً.
العراق تحديداً ليس بلداً هامشياً في هذه المعادلة .. فهو بلد يمتلك موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، ويقع في قلب خطوط التماس الجيوسياسية في المنطقة، كما أنه جزء من شبكة توازنات إقليمية معقدة ..
ولذلك فإن أي حرب كبرى تندلع في هذه الجغرافيا لا يمكن أن تبقى بعيدة عنه، لا سياسياً ولا أمنياً ولا اقتصادياً ..
إن المرحلة تفرض على العراقيين وعياً عميقاً بحقيقة ما يجري، بعيداً عن خطاب التهوين أو خطاب الهروب من الواقع .. فالمطلوب اليوم ليس بثّ الخوف بين الناس، بل تعزيز الإدراك بأن ما يجري هو صراع على مستقبل المنطقة بأكملها، وأن العراق سيكون، بطريقة أو بأخرى، أحد ميادين هذا الصراع ..
ولذلك فإن الحكمة الوطنية تقتضي الاستعداد لكل الاحتمالات، وتعزيز الجبهة الداخلية، وتحصين البلاد سياسياً وأمنياً، لأن الأمم التي تتجاهل العواصف القادمة لا تنجو منها، بل تفاجأ بها وهي في أشد حالات الضعف ..
إن الحقيقة الصارخة التي يجب أن يدركها الجميع هي أننا في العراق لسنا بعيدين عن الحرب، بل نحن في قلب معاركها، شئنا أم أبينا .. والوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو حماية الوطن وصيانة مستقبله.


