الشرق الأوسط على فوهة التحول الكبير الحرب بين واشنطن وتل أبيب وطهران…ومخاض النظام الدولي الجديد

الشرق الأوسط على فوهة التحول الكبير الحرب بين واشنطن وتل أبيب وطهران…ومخاض النظام الدولي الجديد
يتناول النص المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بوصفها محطة انتقال في بنية النظام الدولي نحو تعددية قطبية، محذّراً من تداعيات اقتصادية وأمنية عميقة، وداعياً دول المنطقة إلى بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة....

الکاتب ف ر د. نبيل ياسين الزيدي

 المقدمة

لم تعد المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد صراع إقليمي محدود أو جولة ردع محسوبة. ما يجري اليوم يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، ليقع في صلب التحول البنيوي للنظام الدولي ذاته. نحن لا نعيش حرباً فقط، بل نعيش لحظة انتقال تاريخي. ١ . من إدارة الخصومة إلى كسر قواعد الاشتباك. على مدى عقود، تعاملت واشنطن مع طهران بوصفها خصماً مضبوط الإيقاع؛ خصومة تُدار ولا تُحسم. كانت إيران تؤدي – موضوعياً – وظيفة توازن في بيئة خليجية معقدة، فيما كانت الولايات المتحدة تحافظ على حضورها الاستراتيجي عبر سياسة الردع والعقوبات والتحالفات. لكن ما تغيّر هو البيئة الدولية. لم تعد إيران مجرد لاعب إقليمي، بل باتت جزءاً من شبكة توازنات أوسع ترتبط بصعود الصين وعودة روسيا إلى المسرح الدولي. وهنا انتقل الملف الإيراني من خانة “إدارة أزمة شرق أوسطية” إلى خانة “الصراع على شكل النظام العالمي القادم”. ٢ . الحرب في زمن تعدد الأقطاب. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، سادت لحظة أحادية قطبية أميركية. أما اليوم فنحن أمام نظام يتشكل على إيقاع التعددية القطبية، وإن لم تكتمل ملامحه بعد. في مثل هذه اللحظات الانتقالية، تكون الحروب أكثر خطورة، لأنها لا تُحسم وفق قواعد مستقرة، بل تُعيد إنتاج القواعد نفسها. المواجهة الحالية ليست فقط صراع نفوذ في المشرق والخليج، بل اختبار لإرادة القوى الكبرى: أ . هل تستطيع واشنطن الحفاظ على تفوقها الردعي دون الانزلاق إلى حرب استنزاف؟ ب . وهل تستطيع طهران الصمود دون أن تتحول إلى ساحة كسر عظم دولي؟ ج . الاقتصاد… الجبهة الصامتة. أخطر ما في هذه الحرب ليس الصواريخ وحدها، بل ما يرافقها من تداعيات اقتصادية واجتماعية: أ . اضطراب أسواق الطاقة العالمية. ب . ارتفاع كلف النقل والتأمين البحري ج . تصاعد التضخم في دول المنطقة. د ،اهتزاز الاستقرار الاجتماعي في دول هشة اقتصادياً. الشرق الأوسط يقف على أرض رخوة: بطالة مرتفعة، نظم سياسية مأزومة، مجتمعات مستقطبة. وأي صدمة طويلة الأمد قد تُطلق موجة اضطرابات تتجاوز حدود الصراع نفسه. ٤ . إسرائيل ومعادلة الردع الوجودي. بالنسبة لإسرائيل، الصراع مع إيران ليس سياسياً فحسب بل وجودي. تل أبيب تنظر إلى أي اقتراب إيراني من معادلة الردع النووي باعتباره تهديداً استراتيجياً مباشراً. ومن هنا نفهم طبيعة التنسيق العميق بينها وبين واشنطن في هذه المرحلة. لكن توسيع رقعة المواجهة يحمل مخاطر انكشاف الجبهة الداخلية الإسرائيلية واستنزافها اقتصادياً وعسكرياً، خاصة إذا طال أمد الصراع. ٥ . الشرق الأوسط بين مشروعين أ . مشروع يسعى إلى تثبيت التفوق الغربي وإعادة ضبط الإقليم عبر تحالفات أمنية جديدة. ب . ومشروع آخر يعمل على كسر الاحتكار الغربي للنظام الدولي عبر بناء شبكة تحالفات شرقية. المشكلة أن الإقليم نفسه ليس فاعلاً مستقلاً في هذين المشروعين، بل ساحة اختبار لهما. ٦ . هل نحن أمام نظام عالمي جديد؟ التاريخ يعلمنا أن النظام الدولي لا يتغير ببيانات دبلوماسية، بل بصدمات كبرى. إذا استمرت الحرب واتسعت، فقد تُسرّع من تشكّل نظام عالمي متعدد الأقطاب، لكن بثمن اقتصادي واجتماعي باهظ على المنطقة. أما إذا جرى احتواؤها ضمن حدود الردع المتبادل، فقد تدخل المنطقة مرحلة “توازن هش” طويل الأمد، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل استنزاف بطيء يعيد رسم الخرائط السياسية من الداخل.

خاتمة: أ . إنّ الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست معركة حدود أو جولة ردع تقليدية؛ إنها لحظة فرز تاريخي قاسٍ. ب . المنطقة لم تعد تتحمل رفاهية الانتظار ولا سياسة “الحياد السلبي”. فإما أن تدرك دول الشرق الأوسط أنها تقف أمام إعادة توزيع كبرى للنفوذ العالمي، فتسارع إلى بناء منظومة أمن إقليمي حقيقية، وإما أن تستيقظ على خرائط تُرسم فوقها لا معها. ج . الحرب، إذا تمددت، لن تترك أحداً خارج حساباتها. ستضرب الاقتصاد قبل الجيوش والمجتمع قبل السياسة، والاستقرار قبل الشعارات. والأخطر أنها قد تُحوِّل الإقليم إلى ساحة صدام مفتوح في لحظة يتشكل فيها نظام دولي جديد لم تتحدد قواعده بعد. د . إن العالم يتغير بسرعة، ومن لا يملك مشروعه السيادي سيجد نفسه رقماً في مشروع الآخرين. ها . هذه ليست لحظة بيانات دبلوماسية باردة، ولا وقت خطابات تبريرية، بل زمن القرار الاستراتيجي الصعب: هل نبقى ساحات نفوذ؟ أم نصبح أطرافاً فاعلة في معادلة القوة؟ و . الشرق الأوسط اليوم على حافة التحول الكبير. ومن لا يحسن قراءة اللحظة… سيدفع ثمنها أجيالاً كاملة. بغداد ٣ آذار ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *