من استشهد.. الخامنائي أم المشروع؟!

من استشهد.. الخامنائي أم المشروع؟!
يطرح النص فلسفة “المدرسة الرسالية” التي تقدّم أصالة المشروع على الشخص، مؤكداً أن الشهادة تعزز استمرارية الفكرة وتحول القائد إلى رمز عابر للزمن، وأن البناء المؤسسي يضمن بقاء الرسالة رغم غياب الأفراد....

إن مقاربة هذا الموضوع تتطلب الغوص في فلسفة “المدرسة الرسالية” التي يمثلها الإمام الخُميني والسيد الخامنائي؛ الشخصان اللذان غيّرا الكثير من المفاهيم. وهي مدرسة ترى أن الفرد – مهما علا شأنه – هو “خادم” للفكرة، ونعني بالفكرة “المشروع”، وهي “المعنى” الذي يعطي للقائد قيمته.

في العرفان السياسي والشيعي تحديداً، لا يوجد فصل بين القائد ومشروعه، ولكن هناك تراتبية في الأصالة، ونعني أصالة “الخط” على “الشخص”. ففي أدبيات الثورة الإسلامية، الشخص أو القائد هو “حامل الراية”، والراية هي “الإسلام المحمدي الأصيل”. وعندما يسقط حامل الراية، تظل الراية مرفوعة متجذرة؛ لأنها تستبطن عناصر البقاء بسبب أنها تستمد شرعيتها من الله ومن مبادئ كلية لا تموت بموت البشر. ولو كانت كل فكرة تموت بموت قائدها لما وصلت إلينا نظرية الأنبياء التي تدور حول إنتاج وإيجاد “حاكمية الإسلام”.

من هنا كان القرآن الكريم قد عالج هذه الثغرة بذكاء كبير؛ فهو سيد من يفهم “سيكولوجية” البشر بدقة عالية ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) آل عمران: ١٤٤.

وواضح من هذه الآية كيف تؤسس لمركزية “الرسالة” لا “الرسول” كذات بشرية. فإذا كان النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم – وهو سيد الخلق – يرحل ويبقى دينه، فمن الطبيعي أن المشروع هو “الأصل” الذي يُضحى من أجله بالأنفس، وهذا ما يجب فهمه وتعقّله والسير ضمن الفكرة بعمق فلسفتها.

لأن مفهوم “الشهادة” هو المحرك للمشروع والمصل المضاد لأي مخالفة لهذا التوجه الذي يؤطره القرآن. فعند العرفاء والقادة الرساليين، “الشهادة” ليست نهاية للمشروع بل هي “وقود” له؛ الأمر الذي يراه الإمام الخُميني في أن “الدم ينتصر على السيف”. الموت في سبيل المشروع يحوّل القائد من “قوة فاعلة في حدود الجسد” إلى “رمز ملهم عابر للزمان والمكان”. وأي عاقل يدرك أن استشهاد القائد لا يعني موت المشروع، بل يعني “ولادة ثانية” للمشروع ولكن بصبغة قدسية، أو قل مرحلة “الدم” بعد الجسد، حيث تصبح التضحية برهاناً على صدق الحق الذي جاهد من أجله.

وما ميز تجربة الإمام الخُميني والسيد الخامنائي هو تحويل “الفكر” إلى “بنيان مرصوص” (دولة، مؤسسات، ثقافة مجتمعية استبطنت أغلب عوامل النجاة من المكائد). المشروع الذي جاهد من أجله السيد الخامنائي ليس فكرة عابرة، بل هو بناء “حضاري” متكامل. الأفراد يرحلون، لكن “النظام” (بمعناه المعنوي والمادي) صُمم ليكون قائماً بذاته. لكن هناك نقاش في مَن يلي حمل الراية ومواصفات قد تختصر الطريق أو تلبسه أثقال التأخير أو غيره، ليس محله الآن!

“البصيرة هي ان لا تصبح سهمًا بيد قاتل الحسين  يُسَدَّد على دولة الفقيه”

مقال آخر دمتم بنصر قادم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *