بكل مقاييس التوقعات، ومجسات الترقّب، فالكفة ترجح الى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يعدو ان ينفذ ضربةً عسكريةً موجعةً لأيران حفظاً لماء وجهه، خصوصاً بعد الحجوم المهولة من التحشيد العسكري الاميركي الذي راكمه في جغرافية منطقة الحرب المتوقعة، سواء في منطقة الخليج او شرقي البحر الأبيض المتوسط وباقي الثغور الإقليمية التي ترابط بها قواعد الجيش الأميركي منذ عقود. وما يؤكد مذهب التأجيج والتصعيد الذي فضله ترامب هو ضيق الخناق الذي ألمَّ به في الداخل الأميركي، لاسيما في الأوساط القانونية والقضائية حيث مازال ملف فضائح ابستين الذي نشرته وزارة العدل الأميركية بمثابة الغسيل القذر والجرائمي وبملايين الوثائق التي غصت بها شبكة الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي، ودون ريب فإن ترامب يدرك جيداً ان عدم اشغال الرأي العام الأميركي، وعدم توريط الأوساط السياسية والحزبية الأميركية في ورطة كبيرة كحرب يتسع اوارها سيترك الباب مفتوحا على مصراعيه امام انطلاق محاكمته وملاحقته قضائيا امام المحاكم الأميركية بجريرة جرائمه وفضائحه في جزيرة ابستين السيئة الصيت حيث ورد اسمه ملايين المرات في تلك الوثائق، إذ لا سبيل مطلقاً لدحض ذلك والتخلص من ربقة جرائمه هناك في التحرش والاعتداء على القاصرات واغتصابهن وقتل الرضع وأكل لحومهم.
فبكل الأحوال، لا مناص امام ترامب للتخلص من كل ذلك سوى المضي بتوريط الولايات المتحدة ودوائرها وجيشها وسياسييها واحزابها وشعبها بالتبعية في أتون هذه الحرب ضد ايران، والتي كدّس لها ما لم يكدّسه الجيش الأميركي من حشود واستعدادات عسكرية وتقنية منذ حرب الخليج، بل ربما منذ الحرب العالمية الثانية، وبات ترامب يعتقد تمام الاعتقاد ان الوقت المتاح لخلاصه من حبال محاكمته هو ذلك الوقت الذي ستتيحه مدة هذه الحرب، وبالتأكيد دون أي تفكيرٍ مدروسٍ وجدي بمديات ما سيلحق بالجيش الأميركي او بالحلفاء من اضرارٍ كبيرة جرّاء هذه الحرب الهوجاء، نظراً لأنَّ ترامب ذو عقلية تجارية انتهازية وليس عقلية سياسية تعتمد الحكمة والقراءة المنطقية.
على اية حال، ومهما بلغت حجوم الضربة العسكرية الأميركية، او كما يصرّح بعض قادة الجيش الأميركي انها ستدوم لاسابيع وليست ضربةً محدودة كما يلمح ترامب، فانَّ معدلات إلحاق الأذى بالمواقع العسكرية للجيش الإيراني ولمواقع الحرس الثوري الإيراني ولمراكز القيادة سيكون كبيرا دون شك، ولكن هل سيصنف ضمن مقياس (الحاق الضرر الفادح) المُعَطِّل والمُشِّلُ، ام سيكون في ميزان (الحاق الأذى الكبير) بتلك المواقع والمنشأت؟.
ما يقرب رسم الصورة اكثر، ان ايران تتمتع بجغرافية واسعة جداً، وانتشار مراكز القيادة والسيطرة العسكرية والأمنية فيها اتسمت بالخفاء والسرية الكبيرة، وتعتمد الاختباء تحت مدن خراسانية مدفونة تحت أعماق كبيرة في الأرض، ما يجعل الحاق الضرر الفادح بها يبدو صعب التحقيق، نعم يمكن الحاق الأذى الكبير بالعديد من تلك المواقع ومراكز السيطرة، غير ان منظومة القيادة ستبقى عاملة فاعلة رغم ما سيلحق بها من أذىً كبير نظراً لانتشارها في جغرافية واسعة مترامية الأطراف وفي أماكن لا تخطر على بال الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية والأميركية.
وبالمقابل، فإن كل القطعات البحرية وحاملات الطائرات والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة مكشوفة ومرصودة منذ زمن طويل من قبل ايران وهي ضمن بنك الأهداف المرصودة من قبلهم، وضمن تصنيف التناول السهل لمنظومات تسلحها الصاروخ المتنوع، وكذا بالنسبة للمواقع العسكرية و الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية، فجميعها تحت متناول مطارق الصواريخ البالستية الإيرانية ناهيك عن اسراب الطائرات المسيرة الانقضاضية منها وسوى ذلك كثير، من داخل ايران او من الفصائل والجهات الموالية لإيران في المنطقة.
ووفقاً لهذه السياق، فإنه وبكل الحسابات العسكرية، فان ما سيلحق بإيران جراء الضربات العسكرية الأميركية وان طالت أسابيع كما يزعم القادة الاميركان، فإنها ستلحق (أذىً كبيراً وفادحاً) بالمقار والمنشآت ومراكز السيطرة الإيرانية، لكنه لن يرقى الى الحاق (الضرر الكبير) المُشلِّ للفعاليات الإيرانية العسكرية والأمنية والاستخبارية، وسوف لن يؤدي الى اسقاط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية مطلقاً. غير ان نفس الحرب وبفعل وقع الضربات الإيرانية الكبيرة والضخمة والواسعة الجغرافية على الأهداف الأميركية والإسرائيلية التي ذكرناها أعلاه، فإن ضرراً كبيراً وفادحاً سيلحق بها، وشتان ما بين الأذى ، والضرر، طفيفين كانا أم فادحين. قال الباري في سورة ال عمران ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلاَّ أذىً، وإن يُقاتلوكم يولوكم الأدبار، ثم لا يُنصرون). وإن كانت المقاييس بخلاف ذلك -لا سمح الله-، وتمَّ إلحاقُ ضررٍ كبيرٍ بالجانب الإيراني، فهم اهل الصبر الاستراتيجي (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون)، والاخرون ليسوا اهل تقوى بشهادة فضائح (ابستين). والله من وراء القصد.


