تركيا على خط اليورانيوم الإيراني.. صفقة منع الحرب أم إعادة توزيع النفوذ؟

تركيا على خط اليورانيوم الإيراني.. صفقة منع الحرب أم إعادة توزيع النفوذ؟
يقترح مسار تركي لنقل اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة 60% كاتفاق مصغّر يخفّض المخاطر دون إحياء الاتفاق النووي. نجاحه مرهون بتوازن الردع، وضمانات سياسية وأمنية تقنع طهران بأن الخطوة ليست تمهيداً لنزع أوراق قوتها....

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يعود ملف اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة 60% إلى الواجهة، لكن هذه المرة عبر بوابة تركية.

اقتراح أنقرة نقل نحو 440 كيلوغراماً من هذا اليورانيوم إلى الأراضي التركية، مع تعهّد بعدم عودته إلى إيران مطلقاً، لا يمكن قراءته كمبادرة تقنية أو حسن نية دبلوماسية، بل كجزء من إعادة هندسة التوازنات قبل الانفجار.

التوقيت هنا ليس بريئاً. فإيران باتت على مسافة قريبة من العتبة النووية، والولايات المتحدة – خصوصاً في ظل عقلية دونالد ترامب – تبحث عن إنجاز سريع يمنع الحرب دون الغرق في مفاوضات طويلة ومعقّدة. من هذا التقاطع، تبرز تركيا كوسيط غير تقليدي، خارج إطار مجموعة (5+1)، لكنها داخل الناتو، وتمتلك في الوقت نفسه قنوات مفتوحة مع طهران.

ليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها أنقرة لعب هذا الدور. اتفاق 2010 الثلاثي بين تركيا والبرازيل وإيران، رغم فشله لاحقاً بسبب رفض القوى الكبرى داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، شكّل سابقة تؤكد أن تركيا ترى نفسها مؤهلة للعب أدوار تتجاوز حجمها التقليدي.

الجديد اليوم أن السياق الدولي تغيّر فروسيا منشغلة بأوكرانيا، والثقة الغربية بها كضامن نووي لإيران تراجعت، ما يفتح نافذة لأنقرة.

من زاوية واشنطن، تبدو تركيا خياراً أقل كلفة من موسكو. العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان، وقنوات الاتصال المباشرة بينهما، تمنح هذا السيناريو زخماً إضافياً. ترامب لا يفكّر بعقلية الاتفاقات الكبرى، بل بمنطق الصفقات المرحلية إزالة أخطر ورقة ضغط إيرانية – التخصيب المرتفع – مقابل تهدئة قابلة للتسويق داخلياً.

أما إيران، فهي أمام معضلة استراتيجية حقيقية. نقل اليورانيوم بنسبة 60% خارج أراضيها، مع تعهّد بعدم استعادته، يعني عملياً التخلي عن أهم عناصر الردع الكامن. العقيدة النووية الإيرانية لم تكن يوماً قائمة على امتلاك القنبلة، بل على الاقتراب منها بما يكفي لردع الخصوم. أي تنازل عن هذه الورقة لا يمكن أن يتم إلا مقابل ثمن سياسي وأمني كبير منها رفع ملموس للعقوبات، ضمانات بعدم الاستهداف، أو اعتراف بدور إقليمي لا لبس فيه.

الدور العربي في هذا المشهد لا يقل أهمية. ضغط السعودية وقطر وعُمان ومصر لإحياء المفاوضات يعكس قلقاً عميقاً من حرب شاملة لا يمكن السيطرة على تداعياتها. هذه الدول لا تريد إيران نووية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن البديل العسكري قد يكون أكثر كلفة وخطورة على استقرار المنطقة بأكملها.

في المحصلة، ما يُطرح اليوم ليس إحياءً للاتفاق النووي لعام 2015، ولا تمهيداً لضربة عسكرية، بل محاولة لخلق “اتفاق مصغّر” يخفّض مستوى الخطر ويشتري الوقت. نجاح هذا المسار يتوقف على سؤال جوهري واحد:

هل ترى طهران في العرض التركي مخرجاً يحفظ توازن الردع، أم بداية مسار يهدف إلى نزع أنيابها الاستراتيجية تدريجياً؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية مؤقتة… أم نحو جولة مواجهة مؤجلة لا أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *