لم يعد النقاش حول شكل النظام السياسي في العراق ترفاً فكرياً أو جدلاً نخبوياً بعيداً عن هموم الناس، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها طبيعة الأزمات المتراكمة التي تعصف بالدولة والمجتمع. فمنذ اعتماد النظام البرلماني بعد عام 2005، واجهت البلاد اختناقات مزمنة تمثلت في ضعف القرار التنفيذي، تضخم الإنفاق العام، ترسخ المحاصصة السياسية، وتعثر الإدارة العامة. ومع تراكم هذه الإشكالات، يصبح من المشروع طرح تساؤل جوهري: هل ما يزال النظام البرلماني بصيغته الحالية قادراً على إدارة دولة بحجم وتعقيد العراق؟
من أبرز مظاهر الخلل تضخم النفقات المرتبطة بالمؤسسات التشريعية، حيث تتحول مخصصات أعضاء البرلمان وحماياتهم ومكاتبهم وامتيازاتهم وشبكات الموظفين والمرافقين إلى عبء مالي كبير لا ينسجم مع واقع الاقتصاد الوطني ولا مع أولويات التنمية والخدمات. المشكلة لا تكمن في وجود سلطة تشريعية فاعلة، بل في تضخم الامتيازات وغياب معايير الكفاءة والمساءلة، الأمر الذي يضعف ثقة المواطن بالدولة ويعمّق الشعور بعدم العدالة.
ولا يقتصر الهدر على المؤسسة التشريعية، بل يمتد إلى هيئات ومؤسسات مستقلة، من بينها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، التي تعمل بوتيرة موسمية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية، فيما تستمر التزاماتها المالية والإدارية طوال العام. وهذا الواقع يثير تساؤلات مشروعة حول كفاءة إدارة الموارد العامة وأولويات الإنفاق، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي تتطلب أعلى درجات الانضباط المالي.
النظام البرلماني بصيغته الحالية أفرز تعدداً في مراكز القرار، حيث تتوزع السلطة بين الكتل والتحالفات المتغيرة، مما يؤدي إلى بطء اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتعطيل تنفيذ السياسات العامة. وفي لحظات الأزمات، تحتاج الدول إلى وضوح في القيادة وسرعة في الحسم، بينما تفرض التوافقات السياسية الهشة حالة من الشلل المؤسسي، فتضيع المسؤولية وتتآكل القدرة على الإنجاز.
إن الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية تتطلب قيادة تنفيذية قوية قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه دون تعطيل، وهو ما يجعل النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي خياراً مطروحاً للنقاش بوصفه نموذجاً يوفر وحدة القرار التنفيذي ويعزز المساءلة المباشرة أمام الشعب، ويحد من الابتزاز السياسي الناتج عن صفقات التحالفات.
ولا يعني الانتقال إلى نظام رئاسي إقصاء التعددية أو تقليص المشاركة، بل يمكن أن يشكل إطاراً لتمثيل وطني شامل يقوم على المواطنة والكفاءة بدلاً من الانتماءات الضيقة. فالدولة القوية لا تُبنى عبر تقاسم السلطة بين القوى السياسية، بل عبر تعميق الانتماء الوطني وترسيخ مفهوم الخدمة العامة، بحيث يشعر المواطن بأن الدولة تمثله وتحميه وتعمل من أجله.
لقد عرف العراق عبر تاريخه الحديث شخصيات سياسية ارتبطت بقدرة الدولة على الحسم وبناء المؤسسات واتخاذ القرار، وبقيت في الذاكرة العامة بوصفها نماذج لهيبة الدولة وقوة إدارتها، بغض النظر عن اختلاف التقييمات التاريخية لتجاربها. إن المطلوب اليوم ليس استنساخ الماضي، بل استلهام روح الدولة التي تضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الضيقة وتعيد الاعتبار لفكرة الخدمة العامة.
إن مراجعة شكل النظام السياسي لا تعني التراجع عن المسار الديمقراطي، بل تطويره بما يتلاءم مع واقع العراق وتحدياته. فالدولة التي تتنازعها مراكز القوى لا تستطيع حماية سيادتها ولا خدمة مواطنيها، بينما الدولة التي تمتلك قيادة واضحة ومؤسسات رصينة تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية وبناء الثقة بين المواطن والسلطة.
إن النقاش الهادئ والمسؤول حول مستقبل النظام السياسي هو خطوة ضرورية نحو بناء دولة قادرة وعادلة، ذات قرار موحد وإدارة رشيدة للموارد وتمثيل وطني يعزز الانتماء ويصون الكرامة الإنسانية. فإصلاح شكل النظام ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لبناء دولة تستحقها الأجيال القادمة وتستعيد مكانة العراق التي تليق بتاريخه وحضارته.


