لطالما تداخلت السياسة بالاقتصاد فكانت المصالح الاقتصادية محركاً للسياسة وكانت السياسة تجلياً من تجليات الاقتصاد، وسورية ليست استثناءً من هذا الواقع الذي تفرضه التحديات العالمية ومصالح الدول ورغبتها في الحصول على الموارد الطبيعية والأسواق الجاذبة لتصريف منتجاتها. المشهدية التي تمثلها سورية الجديدة عبر التوافق الدولي تؤكد أهمية الدور الذي ينتظرها في النظام العالمي الجديد الذي يعيش إرهاصات ولادته العسيرة في سورية وإيران وأوكرانيا ومناطق أخرى من العالم الذي تتنافس كلاً من أمريكا والصين على تعزيز نفوذهما فيه عبر قوتهما الخشنة والناعمة كالعلاقات الدبلوماسية والعلمية والتكنولوجيا الفائقة والمشاريع اللوجستية العابرة للقارات مثل (مبادرة الحزام والطريق الذي يُعرف أيضاً بطريق الحرير الجديد) الذي أطلقته الصين عام 2013 تحت شعار التنمية العالمية بهدف تعزيز الترابط بين آسيا وأوربا وأفريقيا ومناطق أخرى من العالم عبر مشاريع ضخمة للبنية التحتية (طرق سريعة وسكك حديد وموانئ) والتي ستحقق للصين غايتها الحقيقية ألا وهي استمرار تدفق منتجاتها إلى دول العالم وبالتالي استمرار قوتها الصناعية والتجارية على حساب الدولة المتقدمة والناشئة والنامية، لكن المبادرة الصينية هذه قد تعرضت لانتكاسات قاسية في بعض دول المحيط الهندي وإيران وسورية بسبب التدخلات الخشنة والضغوط الناعمة التي مارستها الولايات المتحدة في الدول المذكورة والتي ستؤدي على المدى الطويل إلى تراجع تجارة الصين مع العالم وتراجع الإنتاج فيها بسبب ضعف الطلب على منتجاتها مما يؤدي إلى تراجع اقتصادها ومكانتها كمصنع للعالم واستبدالها جزئياً وربما كلياً بمنافسين لها مثل الهند التي تربطها شراكات متعددة مع الولايات المتحدة وأوربا اللتين تعتبرانها البديل الأنسب في تأمين سلاسل التوريد العالمية. وفي هذا الشأن، بدأت الهند منذ زمن ليس بقصير عصراً جديداً في الاقتصاد عبر تشريعات طال انتظارها بهدف جذب الشركات العالمية التي بادرت بنقل بعض مصانعها للاستفادة من السوق الهندية الضخمة ورخص وتوفر العمالة الماهرة فيها، وقربها الأكثر من طرق التجارة الدولية البحرية والبرية التي لا تخفى عن الهند أهميتها في تطوير وزيادة حجم تجارتها مع العالم وبالتالي تعظيم قوتها الصناعية ونمو اقتصادها آخذة في الاعتبار أهمية أن يكون لديها مشروع منافس لمشروع الحزام والطريق الصيني والذي يُمثَّل مصلحة مشتركة لها ولأمريكا والاتحاد الأوربي ودول الجوار العربي وصولاً إلى سورية وبعض جيرانها على البحر المتوسط فكان الإعلان عن مشروع (الممر الاقتصادي الجديد) الذي يربط الهند بأوربا مروراً بدول الخليج العربية وسورية وهذا ما سيجعل سورية عقدة لوجستية استراتيجية تُساهم في تعزيز النمو الصناعي والتجاري لدول (الشرق الأوسط وأوربا والهند) التي ستكون لها مصلحة في ضخ استثمارات مليارية في الاقتصاد السوري المحتاج إلى استثمارات كبيرة من أجل تسريع عملية إعادة الإعمار التي من شأنها أن تدعم الاستقرار السياسي والأمني فيها عبر المصالح الاقتصادية والأمنية التي ستربطها مع دول “الممر الاقتصادي الجديد” الذي تدعمه الولايات المتحدة وترى فيه أداة ناعمة تضمن مصالحها الاستراتيجية في الاقتصاد والنفوذ السياسي وتحد من قدرة الصين على منافستها الاقتصادية وغير الاقتصادية خلال العقود القادمة.
