ليست كل القرارات التي تتخذ بإسم القانون تقاس بميزان النصوص وحدها فبعضها يترك أثرا يتجاوز الأوراق ليصل إلى عمق الإنسان وكرامته وانتمائه. وما يجري في الكويت من إجراءات تتعلق بسحب الجنسية من مواطنين خدموا البلد لعقود طويلة يطرح تساؤلات حقيقية حول معنى المواطنة وحدودها.
كيف يمكن أن نفهم حالة لاعب رفع علم بلده في المحافل الدولية أو فنان شكل جزءا من الذاكرة الثقافية أو ضابط في الجيش وصل إلى رتب متقدمة ووقف في الصفوف الأولى دفاعا عن الوطن ثم يجد نفسه فجأة خارج هذا الوطن؟ أي رسالة يمكن أن تقرأ من هذا المشهد وأي شعور يمكن أن يتولد لدى من أفنى عمره وهو يعتقد أنه جزء أصيل من هذه الأرض؟
القضية لا تقف عند هؤلاء الأفراد فقط بل تمتد إلى أبنائهم إلى جيل نشأ على فكرة الانتماء ثم يفاجأ بأن هذا الانتماء قابل للإلغاء. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية حيث يتشكل شعور معقد بالظلم والخذلان ليس لأنه فقد امتيازا بل لأنه فقد هوية.
هذا النوع من القرارات إذا لم يحاط بضوابط عادلة وشفافة قد يخلق فجوة نفسية واجتماعية عميقة. فالشباب الذين يجدون أنفسهم خارج إطار الدولة قد لا يحملون فقط الإحباط بل أيضا تساؤلات حادة عن العدالة والإنصاف ومع مرور الزمن يمكن أن تتحول هذه المشاعر إلى حالة من الغضب الصامت وهو أخطر من الغضب المعلن.
الحديث عن أنهم قد يصبحون “قنبلة موقوتة” ليس توصيفا حتميا بقدر ما هو تحذير من مسار محتمل. فالأفراد بطبيعتهم لا يولدون خصوما لأوطانهم لكن السياسات الخاطئة قد تدفع البعض إلى مسارات غير متوقعة خاصة إذا وجدت جهات تبحث عن استغلال أي شعور بالغبن أو التهميش.
الدول لا تقاس فقط بقدرتها على فرض القانون بل بقدرتها على تحقيق العدالة الإنسانية فالقانون حين ينفصل عن العدالة يتحول إلى أداة قاسية قد تنتج نتائج عكسية. والاستقرار الحقيقي لا يبنى بالخوف بل بالثقة ولا يحفظ بالإقصاء بل بالاحتواء.
إن أخطر ما في هذه الإجراءات ليس ما يحدث اليوم بل ما قد تخلفه غدا فالأوطان التي تشعر أبناءها بأنهم مؤقتون تزرع فيهم القلق بدل الانتماء وتفتح أبوابا كان يمكن أن تبقى مغلقة لو تمت ادارة الأمور بحكمة أكبر.
يبقى السؤال مفتوحا: هل يمكن لدولة أن تحافظ على استقرارها وهي تعيد تعريف مواطنيها على هذا النحو؟ أم أن الطريق الأجدى هو ترسيخ مفهوم المواطنة كعلاقة ثابتة لا تهتز بتغير الظروف؟


