نختلف في العقيدة، ونتباين في الأيديولوجيا، وتتعارض رؤانا السياسية مع كثير من الدول والأنظمة، لكن هذا الاختلاف ـ مهما بلغ ـ لا يمكن أن يتحول إلى مبرر أخلاقي أو سياسي للصمت عن العدوان، ولا إلى غطاء لقبول تدمير دول وشعوب باسم القوة أو تحت ذرائع الأمن والنفوذ.
إن ما يطرحه دونالد ترامب ومن يسير في فلكه من منطق فرض الأمر الواقع بالقوة، يعكس ذهنية خطيرة تتعامل مع العالم وكأنه ساحة مفتوحة لإرادة الأقوى، متجاهلةً القوانين الدولية، ومبدأ سيادة الدول، وكل ما راكمته البشرية من قواعد لتنظيم الصراع ومنع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة. فحين يتصرف رئيس دولة عظمى وكأنه الحاكم الفعلي للعالم، فإن الخطر لا يطال خصومه وحدهم، بل يهدد النظام الدولي برمته.
السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح:
هل نقبل بتدمير السعودية؟
هل نقبل بتدمير إيران؟
هل نقبل بتدمير مصر؟
هل نقبل بتدمير تركيا؟
هل نقبل بتدمير سوريا؟
هذه الأسئلة ليست عاطفية، ولا شعبوية، بل تمثل اختباراً حقيقياً لضمير المنطقة ونخبها السياسية والإعلامية.
فقبول الحرب على أي دولة إسلامية، أو تبريرها بحجة الخلاف السياسي أو المذهبي، او بغرض التدخل في الشان الداخلي يعني فتح الباب على مصراعيه أمام منطق الغابة، حيث لا قيمة للسيادة ولا وزن للقانون، وحيث يصبح الجميع ـ دون استثناء ـ مشاريع أهداف مؤجلة.
الأخطر من ذلك هو حالة التطبيع النفسي مع العدوان، حين يصبح من “المألوف” أن يشنّ الكيان الصهيوني غاراته الجوية وصواريخه على لبنان، أو إيران، أو اليمن، أو سوريا، أو أي دولة عربية او مسلمة أخرى، دون موقفٍ رادع أو إدانة واضحة، وكأن الدم العربي والإسلامي أقل شأناً، أو كأن الجغرافيا الإسلامية بلا حرمة ولا حق في الدفاع عن نفسها.
إن العار الحقيقي لا يكمن في اختلاف المواقف السياسية، بل في ازدواجية المعايير، وفي الانتقائية الأخلاقية التي ترفض العدوان حين يصيب طرفاً، وتبرره أو تصمت عنه حين يصيب طرفاً آخر. فالسكوت عن الظلم لا يحمي أحداً، بل يؤسس لظلمٍ أكبر، والتغاضي عن انتهاك السيادة اليوم يعني قبول انتهاكها غداً بحق من ظنّ نفسه بمنأى عن النار.
الموقف المبدئي لا يتجزأ ؛
رفض العدوان يجب أن يكون شاملاً، أياً كان المعتدى عليه، وأياً كانت الذرائع.
أما التبرير، أو الصمت، أو المراهنة على أن الحرب ستصيب “الآخر” فقط، فليس سوى وهمٍ سياسي قصير النظر، وسقوط أخلاقي قبل أن يكون خطأً استراتيجياً.
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس المواقف بحدة الخطاب، بل بوضوح البوصلة. وبوصلة الحق اليوم تقول بوضوح لا للحرب، لا لفرض الإرادة بالقوة، ولا لتحويل منطقتنا إلى ساحة تجارب لتهور الساسة وأطماع القوى المتغطرسة امثال امريكا والصهيونية التي تطمح بتقسيم وتدمير منطقتنا خطوة خطوة والحكومات غافلة للاسف الشديد .


