حين تُدار السيولة من جيب الموظف: أزمة إدارة لا أزمة موارد

تدريسيه في الجامعة العراقية كلية الادارة والاقتصاد
ترى الكاتبة أن أزمة السيولة ناتجة عن سوء الإدارة لا نقص الموارد، وأن تحميل الموظف كلفة العجز عبر تأخير الرواتب والجبايات يفاقم الركود، بينما يكمن الحل في إصلاح اقتصادي حقيقي وتنشيط الإنتاج ومحاربة الفساد....

لم تعد أزمة السيولة حالة أرقام تُسجل في دفاتر وزارة المالية، بل تحولت إلى عبءٍ يومي يُدار مباشرة من جيب الموظف والكاسب، عبر تأخير رواتب الموظفين، وقطع المخصصات، ورفع التعريفة الكمركية، من دون رؤية اقتصادية حقيقية تُعالج الأزمة القائمة منذ سنوات. فبدل أن تُدار السياسة المالية بأدوات فاعلة تُسهم في معالجة الازمة والخروج من الوضع الحالي، كان اللجوء إلى إجراءات زادت من حدّة الأزمة على كاهل الموظف العراقي. إن شحّ السيولة الذي أصاب مفاصل الدولة ليس قدراً محتوما، بل هو نتيجة تراكمات من سوء الإدارة والفساد المالي والإداري وغياب الرؤية الاقتصادية الواضحة. ومع ذلك، كان الخيار الأمثل هو تحميل المواطن كاهل سوء توزيع وتخصيص الموارد ولاسيما الموظف الذي يعتمد في قوته اليومي على راتب شهري لم يُعدّ يكفي لتأمين حياة كريمة تليق به وبعائلته.

قد يبدو تأخير الرواتب وتقليل المخصصات حلًا محاسبياً سريعاً لتقليل الإنفاق العام، إلا أن هذا الإجراء لم يأخذ بالحسبان الأثر الانكماشي الذي يرافقه ويُعيق عمق الدورة الاقتصادية. فنحن ندور في حلقة فارغم لم تُعالج، بل زادت من حالة الركود والجمود. فالموظف هو المحرّك الأساس للسوق المحلية؛ فمن راتبه تُسدد إيجارات المنازل، وتُشترى حاجات المدارس، وتُدفع أقساط العلاج والنقل. وعندما يتأخر هذا الراتب، يضطر كثيرون إلى الاستدانة من المكاتب أو المصارف بفوائد مرهقة، فيما يعجز آخرون عن تسديد أقساط الكهرباء والمولد وبدل الإيجار. وفي الأسواق نرى صاحب المحل يشكو تراجع المبيعات، فيقلص عدد العمال أو يستغني عنهم، فتتسع دائرة البطالة بصمت.

ولو أخذنا مثالًا بسيطًا: موظف يتقاضى 700 ألف دينار، يدفع منها نحو 300 ألف للإيجار، و100 ألف للمولّد والكهرباء، و150 ألف للنقل والوقود، ويبقى له أقل من 150 ألفا للغذاء والدواء وتعليم أطفاله. وعند تأخير الراتب أسبوعين فقط، يدخل في دوامة دينٍ جديد، فيلجأ إلى السلف أو المكاتب التي تقتطع جزءً من راتبه القادم، فتتآكل قدرته الشرائية أكثر فأكثر.

كما إن رفع التعريفة والجبايات المتعددة زاد المشهد تعقيداً فأسعار المواد الغذائية ارتفعت، وأجور النقل تضاعفت، وحتى أبسط الخدمات وهكذا يدفع الموظف الثمن مرتين: مرة بتآكل دخله، ومرة بزيادة ما يُقتطع منه يومياً دون أن يلمس تحسناً في الخدمة أو الاستقرار.

إن إدارة السيولة من جيب المواطن ليست إصلاحاً، بل هو  اعتراف حقيقي بعجزٍ في إدارة الموارد وعليه يكمن. الحل الحقيقي في إصلاح بنية الاقتصاد ومحاربة الفساد وتنشيط القطاعات المُنتجة وتوجيه الإنفاق نحو الاستثمار…… فالموظف ليس خزينة بديلة للدولة، بل هو عمود استقرارها الاجتماعي والاقتصادي.

فإي سياسة تُبنى على إنهاك هذا العمود لن تُنتج إلا مزيد من الأزمات والمُشكلات، مهما تغيّرت أسماؤها بحجة(الإصلاح).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *