المالكي في ولايته الثالثة: ما له وما عليه؛ قراءة سياسية من موقع الشهادة لا الخصومة

المالكي في ولايته الثالثة ما له وما عليه؛ قراءة سياسية من موقع الشهادة لا الخصومة
يقيّم النص احتمال الولاية الثالثة لـ نوري المالكي بوصفها عودة تجربة لا شخص، موازنًا بين إنجازات منع الانهيار وإخفاقات تركيز السلطة وبناء المؤسسات، ومؤكدًا أن النجاح مرهون بتحول جذري في فلسفة الحكم لا بتكرار الأساليب السابقة....

إذا ما قُدِّر لنوري المالكي أن يُكلَّف بتشكيل الحكومة العراقية لولاية ثالثة، فإن العراق لن يكون أمام تجربة سياسية جديدة، بل أمام عودة رجل دولة سبق أن حكم البلاد في أكثر مراحلها اضطراباً وتعقيداً، وهو ما يجعل تقييم الولاية الثالثة ضرورة سياسية وأخلاقية، لا ترفاً إعلامياً ولا صراعاً شخصياً، لأن المسألة هنا لا تتعلق بشخص يتقدم لمنصب، بل بتجربة حكم تعود في لحظة عراقية شديدة الحساسية.

هذه القراءة لا تنطلق من موقع الخصومة، ولا من موقع التبرير، بل من موقع الشهادة، شهادة من عرف المالكي منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي في إطار العمل التنظيمي داخل حزب الدعوة الإسلامية، ثم عمل معه لاحقاً من موقع رسمي حين توليتُ رئاسة شبكة الإعلام العراقي في ولايته الثانية، وهي شهادة تُحمِّل صاحبها مسؤولية قول ما له وما عليه بميزان واحد، بعيداً عن الانفعال وبعيداً عن المجاملة.

أولاً: ما للمالكي

لا يمكن إنكار أن المالكي تولّى رئاسة الحكومة في مرحلة كانت فيها الدولة العراقية مهددة في وجودها، أمنياً وسياسياً ومؤسساتياً، وقد نجح في مراحل محددة في منع الانهيار الكامل للدولة، والحفاظ على شكلها السيادي في مواجهة التفكك، وهو إنجاز لا يصح القفز عليه عند أي تقييم منصف.

كما يُحسب له أنه اتخذ، في محطات معروفة، قرارات صعبة ضد قوى مسلحة كانت تتصرف خارج إطار الدولة، وأعاد – ولو جزئياً – الاعتبار لمفهوم احتكار الدولة للقوة، حتى وإن شاب التنفيذ قصور وأخطاء لاحقة، إلا أن المبدأ بحد ذاته كان ضرورياً في لحظة كادت فيها الدولة أن تفقد سيادتها لصالح مراكز قوى موازية.

ويُضاف إلى ذلك أن المالكي يمتلك خبرة سياسية عميقة في إدارة التوازنات المعقدة داخل النظام العراقي، وفهماً تفصيلياً لبنية السلطة، وشبكة علاقات داخلية وخارجية مكّنته من الصمود في بيئة سياسية شديدة القسوة، وهو ما جعله رقماً صعباً في معادلة الحكم لسنوات طويلة.

ثانياً: ما عليه

في المقابل، لا يمكن تجاوز الميل الواضح إلى تركيز السلطة التنفيذية بيد رئيس الحكومة، وإضعاف مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات، وهو ما أضر بتطور الدولة المؤسسية، وخلق شعوراً واسعاً بالإقصاء السياسي، وأضعف الثقة المتبادلة بين الدولة وشرائح اجتماعية وسياسية مختلفة.

كما أن ولايتي المالكي السابقتين شهدتا تآكلاً متراكماً في الثقة الوطنية، ليس بسبب شخصه وحده، بل بسبب أسلوب إدارة السلطة والخطاب السياسي، الذي غلّب منطق الغلبة وإدارة الصراع على منطق الشراكة وبناء التوافق، وهو ما ترك آثاراً عميقة ما زال العراق يدفع كلفتها حتى اليوم.

وفوق ذلك، فإن النجاح النسبي في إدارة الدولة زمن الأزمات لم يُترجم إلى نجاح مماثل في بناء دولة ما بعد الأزمة، إذ أخفقت التجربة في الانتقال من منطق الطوارئ إلى منطق المؤسسات المستقرة، وفي تحويل المكاسب الأمنية والسياسية إلى إصلاحات بنيوية مستدامة في الاقتصاد والإدارة والعدالة الاجتماعية.

ولا يمكن إغفال أن أي ولاية ثالثة ستصطدم بذاكرة سياسية ثقيلة،  (على وجه الخصوص ما حدث في سبايكر، واحتلال داعش لثلاث محافظات وغير ذلك من الاحداث الاليمة) وبمشاعر عامة متناقضة، سواء داخل النخبة السياسية أو في الشارع العراقي، وهو ما يجعل شرعية الأداء الفعلي لا تقل أهمية عن شرعية التكليف الدستوري.

ثالثاً: الدولة لا تُدار بلا فلسفة

إن أي رئيس حكومة، في العراق أو في غيره، لا يمكن أن يدير الدولة بوصفها مجرد جهاز إداري لتصريف الأزمات اليومية، أو ساحة لموازنة القوى السياسية المتصارعة، بل يجب أن ينطلق في الحكم من فلسفة واضحة للدولة نفسها، فلسفة حضارية وقيمية تُعرِّف معنى الدولة، ووظيفتها، وحدود سلطتها، وأولوياتها الأخلاقية قبل أولوياتها الإجرائية، لأن غياب هذا الإطار الفلسفي هو ما يحوّل السلطة إلى إدارة آنية بلا بوصلة، ويجعل القرار السياسي أسير اللحظة وضغوطها، فيما تُبنى الدولة الحضارية الحديثة على منظومة قيم عليا تضبط استخدام القوة، وتوجّه الاقتصاد، وتنظم العلاقة بين الحاكم والمجتمع، وتمنح الشرعية معناها العميق بوصفها عقداً قيمياً لا تفويضاً مفتوحاً، ومن دون هذا الأساس الحضاري القيمي تبقى أي حكومة، مهما امتلكت من خبرة أو نفوذ، عاجزة عن الانتقال من إدارة الدولة إلى بنائها.

رابعاً: الولاية الثالثة… بأي منطق؟

من هنا، فإن السؤال الجوهري المتعلق بالولاية الثالثة لا يتعلق باسم رئيس الحكومة بقدر ما يتعلق بمنهج الحكم، فإذا جاءت الولاية الثالثة تكراراً لآليات الولايتين السابقتين، فإنها ستكون عبئاً على الدولة وعلى المالكي معاً، أما إذا جاءت بوصفها قطيعة مع الأسلوب لا مع التجربة، وتحولاً حقيقياً في فلسفة إدارة الدولة، فقد تمثل – نظرياً – فرصة أخيرة لإعادة التوازن إلى النظام السياسي.

فالرهان الحقيقي ليس على الأشخاص، بل على الانتقال من إدارة السلطة إلى بناء الدولة، ومن منطق السيطرة إلى منطق الثقة، ومن شرعية القوة إلى شرعية الإنجاز، وهي تحولات لا تتحقق بالخطاب وحده، بل بإعادة تعريف معنى الحكم نفسه.

خاتمة

المالكي ليس شيطاناً سياسياً كما يصوره خصومه، ولا رجل الدولة المنقذ كما يراه أنصاره، بل هو تجربة عراقية مكتملة بنجاحاتها وإخفاقاتها، وأي قراءة جادة لولايته الثالثة يجب أن تنطلق من هذا التعقيد، لا من التبسيط، لأن مستقبل الدولة العراقية لا يحتمل قراءة كسولة ولا رهانات عاطفية.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح قبل التكليف لا بعده:

هل تعلّم المالكي من تجربته، أم أنه يعود ليكررها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *