قراءة في تداعيات إعادة إنتاج الأزمة السياسية في العراق

قراءة في تداعيات إعادة إنتاج الأزمة السياسية في العراق
يرى النص أن ترشيح نوري المالكي بالأغلبية لا بالإجماع خطوة عالية الكلفة تعيد الانقسام والانسداد، وتفتقد الغطاء الوطني والمرجعي، وتُقابل ببرود دولي، بما يضع العراق مجدداً على مسار تعطيلٍ أخطر....

إقدام الإطار التنسيقي على ترشيح نوري المالكي بالأغلبية، لا بالإجماع، لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً تنظيمياً داخلياً أو استحقاقاً ديمقراطياً عادياً، بل هو خطوة عالية الكلفة سياسياً، تعيد فتح كل ملفات الانقسام المؤجلة، وتستحضر أخطر أدوات التعطيل التي شُلّ بها النظام السياسي العراقي خلال العقد الماضي.

الأغلبية العددية مقابل الإجماع السياسي

الفرق بين “الأغلبية” و”الإجماع” في الحالة العراقية ليس فرقاً إجرائياً، بل وجودي. فالنظام السياسي القائم على التوافقات الهشة لا يحتمل فرض الأسماء الرمزية المثيرة للانقسام، خصوصاً حين تكون محمّلة بإرث سياسي ثقيل.

ترشيح المالكي بالأغلبية داخل الإطار يعني عملياً:

  • انقساماً شيعياً داخلياً مؤجلاً للانفجار.
  • فقدان الغطاء الوطني الجامع.
  • دفع الشركاء إلى استخدام أدوات التعطيل المقابلة.

مفارقة “الثلث المعطّل”… سلاح المالكي يرتد عليه

الأكثر دلالة في هذا المشهد هو عودة شبح الثلث المعطّل، الأداة التي شُرعنت سياسياً لأول مرة في عهد المالكي نفسه، كوسيلة لتعطيل المسارات الدستورية حين لا تأتي النتائج على المقاس السياسي.

اليوم، يعاد استخدام الأداة ذاتها ولكن من الأطراف الأخرى:

  • داخل المكون الشيعي.
  • من المكون السني.
  • وبصمت كردي محسوب.

وهنا تكمن المفارقة: من سنّ التعطيل صار ضحيته.

موقف المرجعية… الصمت الذي يساوي الرفض

المرجعية الدينية في النجف لم تمنح المالكي تفويضاً سياسياً في أي مرحلة مفصلية لاحقة، بل إن موقفها التاريخي بعد 2014 كان واضحاً في:

  • رفض احتكار السلطة.
  • رفض إعادة إنتاج الوجوه المثيرة للانقسام.
  • الدعوة إلى التغيير وضبط السلطة لا إعادة تدويرها.

وفي السياسة العراقية، صمت المرجعية عن دعم أي ترشيح خلافي لا يُفسَّر حياداً، بل رفضاً ضمنياً.

السيد مقتدى الصدر… الغائب الحاضر

موقف السيد مقتدى الصدر الرافض لهذا المسار معروف سلفاً، حتى دون إعلان جديد. انسحابه من العملية السياسية لم يكن انسحاباً من التأثير، بل إعادة تموضع:

  • يراقب الانسداد.
  • يترك الخصوم يستنزفون أنفسهم.
  • ويحتفظ بورقة الشارع والشرعية الشعبية.

ترشيح المالكي يعزز سردية الصدر لا يضعفها، لأنه يعيد إنتاج النموذج الذي أعلن رفضه له منذ البداية.

الرفض السني… أغلبية لا إجماع

الموقف السني الرافض للترشيح، حتى وإن كان بأغلبية لا بإجماع، يحمل دلالة سياسية واضحة:

  • لا غطاء وطني للترشيح.
  • لا استعداد لتحمّل كلفة سياسية جديدة.
  • خوف من العودة إلى منطق الإقصاء والهيمنة.

وهذا الرفض، وإن بدا غير موحد، كافٍ لتعطيل أي محاولة لتمرير الاستحقاق بسلاسة.

الإقليم يراقب… سوريا نموذج تحذيري

التحولات في سوريا، وعودة النظام السوري إلى المشهد الإقليمي دون حل جذري، ترسل رسائل سلبية:

  • الاستقرار الشكلي لا يعني التعافي.
  • إعادة تدوير السلطة لا تنتج شرعية.
  • الفوضى المؤجلة أخطر من الفوضى المعلنة. العراق، في هذا السياق، يُنظر إليه كحلقة اختبار: إما تجاوز الانسداد… أو إعادة إنتاجه بنسخة أخطر.

الموقف الأميركي… رفض بلا ضجيج

الولايات المتحدة لا تحتاج لإعلان رفض صريح. موقفها يُقرأ من خلال:

  • دعم الاستقرار لا الأشخاص.
  • تجنب الأسماء الاستفزازية.
  • القلق من عودة سياسات الصدام الداخلي.

أي ترشيح يعيد الاستقطاب الحاد، ويهدد التوازن الهش، سيُقابل ببرود سياسي وضغط غير مباشر، لا بدعم.

ترشيح يفتح الأزمات ولا يغلقها

ترشيح المالكي بالأغلبية:

  • لا يوحد البيت الشيعي.
  • لا يطمئن السنة.
  • لا يحظى بغطاء المرجعية.
  • يعزز موقع المعارض المنسحب.
  • ويضع العراق مجدداً على سكة الانسداد.

إنه ترشيح لا يقرأ دروس الماضي، ولا يستوعب كلفة الحاضر، ولا يملك تصوراً آمناً للمستقبل. وفي بلد أنهكته الأزمات، إعادة إنتاج الأزمة… ليست خياراً سياسياً،

بل مخاطرة وطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *