من شخص المهدي إلى فكرة المهدوية: التحول من الانتظار إلى البناء الحضاري

من شخص المهدي إلى فكرة المهدوية التحول من الانتظار إلى البناء الحضاري
يعيد النص قراءة المهدوية بوصفها فكرة تاريخية أخلاقية لا حدثًا شخصيًا غيبيًا، ويحوّلها من انتظار سلبي إلى أفق عملي لبناء العدالة. فالمهدوية معيار نقد للحاضر ومسار تراكمي لإصلاح القيم والمؤسسات نحو قانون وكرامة إنسانية شاملة....

ظلّ الحديث عن الإمام المهدي في الوعي الإسلامي قرونًا طويلة يدور في مدار الشخص أكثر مما يدور في مدار الفكرة، فتركّز الاهتمام على الهوية الفردية، والزمان الغيبي، وتفاصيل الظهور، والوقائع الخارقة، بينما بقيت المهدوية نفسها بوصفها رؤية للتاريخ وللمستقبل الإنساني فكرةً كامنةً في الخلفية، حاضرة في العقيدة، لكنها غائبة عن الفعل الحضاري اليومي، ومع هذا الاختلال في مركز الثقل تحوّلت المهدوية عند كثيرين من أفق تاريخي أخلاقي إلى حالة نفسية من الترقّب، ومن مشروع تغيير إلى حالة انتظار.

إن الانتقال من الاشتغال على شخص المهدي إلى الاشتغال على فكرة المهدوية ليس تقليلًا من شأن العقيدة، بل هو تحرير لها من الضيق السردي، وردّها إلى وظيفتها الكبرى بوصفها رؤيةً لمسار التاريخ، فالشخص في العقائد الدينية يمثل نقطة تجسيد، أما الفكرة فتمثل القانون الكامن وراء الحركة، وحين يُقدَّم التجسيد على القانون يتحول الوعي إلى انتظار حدث، أما حين يُستعاد القانون إلى مركز الفهم فإن الوعي ينتقل إلى صناعة المسار الذي يفضي إلى ذلك الحدث، أو على الأقل ينسجم معه.

المهدوية في هذا الأفق ليست قصة فرد غائب سيأتي ليحلّ مشكلات العالم بضربة واحدة، بل هي التعبير الرمزي الأعلى عن اكتمال العدالة في التاريخ الإنساني، أي عن اللحظة التي يبلغ فيها الوعي البشري مستوى من النضج الأخلاقي والمؤسسي يسمح بقيام نظام عالمي يقوم على القيم العليا لا على الغلبة، وعلى القانون لا على القوة، وعلى الكرامة الإنسانية لا على الامتيازات العصبوية، وبذلك تتحول المهدوية من ميتافيزيقا حدث مفاجئ إلى فلسفة تاريخ ترى أن البشرية ليست محكومة بالدوران الأبدي في حلقات الظلم، بل قابلة للارتقاء التدريجي نحو أفق أعدل.

هذا التحول في الفهم يغيّر وظيفة الإنسان داخل العقيدة نفسها، ففي الفهم الشخصاني الضيق يصبح الإنسان في موقع المتلقي الذي ينتظر الخلاص من الخارج، أما في الفهم الفكري الحضاري فيصبح الإنسان شريكًا في تهيئة الشروط التاريخية لذلك الخلاص، إذ لا يمكن تصور عالم تسوده العدالة الشاملة ما لم تتشكل في البشر بنية وعي أخلاقي قادرة على حملها، ولا يمكن تخيل دولة عادلة على مستوى الأرض ما لم تنضج تصورات الإنسان عن القانون والحقوق والواجبات والمؤسسات، وهنا تصبح المهدوية معيارًا نقديًا للحاضر، تُقاس به الفجوة بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون.

إن فكرة المهدوية بهذا المعنى تطرح سؤالًا جوهريًا: أي نوع من المجتمعات يمكن أن يكون قابلاً لحمل العدل الكامل؟ وهذا السؤال ينقل الاهتمام من تفاصيل الغيب إلى بنية الواقع، من علامات الظهور إلى شروط العدالة، من الروايات الجزئية إلى منظومة القيم، إذ لا يمكن الحديث عن عدل شامل في ظل ثقافة تمجّد العنف، أو اقتصاد يقوم على النهب، أو سياسة تقوم على المحاصصة، أو مجتمع تفتك به انقسامات الهوية الضيقة، فالمهدوية هنا ليست وعدًا سحريًا بإلغاء قوانين الاجتماع البشري، بل أفقًا أخلاقيًا أعلى يستدعي إصلاح تلك القوانين وتطويرها.

ومن هذا المنظور تصبح المهدوية فكرةً إنسانية الطابع، حتى وإن انطلقت من عقيدة دينية محددة، لأنها تتحدث عن العدالة الكونية، وعن نهاية هيمنة الظلم البنيوي، وعن انتقال البشرية من مرحلة تاريخ الغلبة إلى مرحلة تاريخ القانون، وهي قضايا تتجاوز حدود الطوائف، وتلامس الهم الإنساني العام، ولهذا يمكن النظر إلى المهدوية كصورة دينية مكثفة لحلم إنساني قديم بعالم أكثر عدلًا، لا بوصفها مشروع خلاص خاص بجماعة دون أخرى.

كما أن هذا الفهم يضع حدًا للتناقض الظاهري بين الإيمان بالمهدوية والعمل الإصلاحي اليومي، فحين تُفهم المهدوية كحدث منفصل عن السياق التاريخي قد ينشأ شعور بأن الإصلاح الجزئي لا معنى له ما دام التغيير الجذري مؤجلاً إلى ظهور غيبي، أما حين تُفهم كأفق تطوري فإن كل خطوة نحو ترسيخ العدل، وبناء المؤسسات، ونشر القيم الأخلاقية، وتقوية الثقة بين الناس، تُعد جزءًا من المسار الطويل الذي يقرّب التاريخ من صورته الأعدل، وبهذا المعنى لا يعود الانتظار سكونًا، بل يتحول إلى عمل مستمر داخل الزمن.

إن الانتقال من شخص المهدي إلى فكرة المهدوية هو في جوهره انتقال من العقيدة بوصفها خبرًا عن المستقبل إلى العقيدة بوصفها طاقة فاعلة في الحاضر، ومن المهدوية كموضوع للجدل الكلامي إلى المهدوية كمعيار حضاري يقيس مستوى نضج المجتمعات، ومن انتظار الخلاص إلى بناء شروطه الأخلاقية والمؤسسية، وبهذا تستعيد المهدوية بعدها الحضاري العميق، وتغدو رؤيةً لتطور الإنسان نحو مرحلة أرقى من العدالة، لا مجرد قصة غيبية معلّقة على زمن مجهول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *