في مقالي(الذهب بريق استثماري مبهر وملاذ آمن ) المنشور بتاريخ2025/12/29 حيث ناقش المقال الحركة السعرية المتصاعدة للذهب والتوقع بارتفاع استثنائي بناءً على توقعات تحصل في عام 2026، وحدثت فجأة ارتدادات سعرية قوية كحالة تصحيحات فنية في الأسعار قصيرة المدى، لكن النظرة العامة لا تزال إيجابية نحو الاستثمار في الذهب.
الذي حصل هو تراجع سعر الذهب بشكل استثنائي الى بداية عام 2026،اي التراجع الى أقل من 5000 دولار للاونصة ،بعد الارتفاع الكبير الذي تجاوز حاجز 5800 دولار في نهاية شهر يناير كانون الثاني الحالي،مما جعل الناس تتخوف من ارتدادات سعرية جديدة نحو الانخفاض بعد ان استثمروا اموالهم في اسعار عالية او خلقت لديهم فكرة ان الاستثمار في الذهب غير آمنة ومجدية .
هذا الانخفاض يعرف ماليا بضغط جاما Gamma Squeeze وهو تغير سريع ومفاجئ في أسعار الأصول الأساسية ومنها الذهب ،حيث يدفع المستثمرين إلى تغيير سياساتهم الاستثمارية التي لم يكونوا ليفعلوها لولا ذلك. عند حدوث هذا التغير السريع في الأسعار، سيشعر المستثمرون (بـالضغط) ويضطرون إلى اتخاذ إجراءات لمنع الاختناق في السوق. وقد وصف الانخفاض باسعار الذهب( ب(زلزال المعادن) حيث هوى بالأسعار لأدنى مستوياتها، مما خلق حيرة بين كونه انهياراً أو فرصة شراء).
يؤدي “ضغط جاما” (Gamma Squeeze) إلى تفاقم تقلبات أسعار الذهب، مما تسبب في موجة هبوط حادة غير مسبوقة مؤخراً. يحدث هذا الضغط عندما يضطر متداولو الخيارات إلى بيع عقود مستقبلية مع انخفاض الأسعار، مما يسرع الهبوط.
وضغط جاما (Gamma Squeeze) هو ظاهرة سوقية تحدث عندما يؤدي الارتفاع أو الانخفاض السريع في أسعار الأصول (أسهم أو ذهب) إلى إجبار صُناع السوق على شراء أو بيع الأصول الأساسية بسرعة لتغطية مراكز الخيارات (Delta Hedging)، مما يؤدي إلى تضخيم حركة السعر بشكل حاد ومجنون).
ويشير احد اكبر المهتمين بالاستثمار بالذهب ان (ضغط جاما ) كان عاملًا رئيسيًا في هذه التحركات غير المسبوقة للذهب.(حيث يدفع شراء المتداولين الأفراد لخيارات الشراء قصيرة الأجل صناع السوق إلى شراء الاصول الأساسية للتحوط، مما يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع).
ويقصد بخيارات الشراء Call Options هي عقود مشتقات تمنح المستثمرين الحق في شراء كمية متفق عليها من أصل معين بسعر محدد (سعر التنفيذ) في تاريخ محدد.
تحقق خيارات الشراء أرباحًا للمستثمرين إذا كان سعر الاصل الاستثماري الأساسي أعلى من سعر التنفيذ عند انتهاء الصلاحية. عادةً ما يُبرم عقد الخيار مع صانع سوق يوفر السيولة، وهو على استعداد لشراء أو بيع عقود مختلفة للاستفادة من علاوة الإصدار أو تكاليف المعاملة.
والمعروف في فكر ادارة الاستثمار انه عندما يشتري العديد من المستثمرين خيارات الشراء، فهذا يعني بالضرورة أن صانع السوق يُجري مركزًا قصيرًا كبيرًا على الأصل الأساسي. ومثل هذا القرار يُعرّض صانعي السوق لمخاطر جسيمة في حال حدوث اتجاه صعودي وانتهاء صلاحية عقود العديد من المستثمرين.)
لقد ساهم (ضغط جاما )في تعميق تراجع الذهب. وحدث ذلك عندما إضطر المستثمرون الذين يحتفظون بمراكز استثمارية مدينة في عقود الخيارات إلى شراء مزيد من العقود المستقبلية عندما ترتفع الأسعار، وبيعها عندما تنخفض، وذلك للحفاظ على توازن محافظهم الاستثمارية).
وتشير التحليلات ان الانخفاض في أسعار الذهب بشكل مفاجئ هو نتيجة تفاعل عدة عوامل مثل بيع كميات كبيرة من الذهب لجني أرباح مكثفة بعد ارتفاعات قياسية، أو حدوث أزمات سيولة تجبر المستثمرين على البيع لتغطية خسائر أخرى، أو تهدئة التوترات الجيوسياسية، بالإضافة إلى تحركات قوية للدولار الأمريكي وتوقعات سياسة نقدية متشددة.
وتعرض إحدى الدراسات أبرز أسباب انخفاض الذهب خلال الايام الماضية الى :
1-جني الأرباح (Profit Taking): بعد صعود الذهب لمستويات قياسية سارع المستثمرون والمصارف لبيع حيازاتهم لتحويل الارتفاع إلى سيولة، مما سبب هبوطاً مفاجئاً في الاسعار.
2-أزمات السيولة والتقلبات: في فترات تقلب الأسواق المالية، يضطر المستثمرون لبيع الذهب (الملاذ الآمن) لتغطية خسائرهم (Margin Calls) في الاستثمارات الأخرى.
3-تغيرات جيوسياسية: ظهور أنباء عن تراجع حدة التوترات الجيوسياسية مما يقلل الطلب على الذهب ، ويدفع السعر للانخفاض.
4-قوة الدولار ورفع الفائدة: التوقعات بسياسات نقدية أكثر تشددًا من الفدرالي الامريكي (مثل تعيين مسؤولين يميلون لمكافحة التضخم عبر رفع الفائدة) ومثل هذا القرار يرفع قيمة الدولار، مما يضغط على الذهب المقوم به بالانخفاض.
5-البيع المكثف للمشتقات (الإرهاق الفني): قيام صناديق المؤشرات المتداولة والمضاربين ببيع كميات ضخمة من الذهب ، خاصة عندما تتجاوز الأسعار مستويات الدعم الفني، مما يسرع الهبوط.
كل هذه الاسباب ساهمت مجتمعة في تقليل جاذبية الذهب كملاذ آمن مؤقتًا.
وحقيقة ما جرى فسره بشكل واضح Akash Doshi الرئيس العالمي لاستراتيجية الذهب والمعادن
Global Head of Gold and Metals Strategy
حيث اشار انه من المحتمل جداً أن يكون ما نشهده من انخفاض في سوق استثمار الذهب هو (ضغط جاما )وهو ناتج عن تحوطات المستثمرين، فالمستثمرون راكموا مراكز شرائية ورفعوا أسعار عقود الخيارات قصيرة الأجل خلال الأسابيع الماضية مع تسارع زخم الأسعار صعوداً، ومن المرجح للغاية أن تحوطات المستثمرين دفعت الأسعار إلى الأعلى، ما تسبب في قفزة سعرية بوتيرة غير ثابتة).
ويُعد ضغط جاما مثالاً على هذا السيناريو، ويرتبط بسوق تداول الخيارات. يحدث هذا عندما يسعى صانعو سوق الخيارات إلى تغطية أو التحوط من تعرضهم للمخاطر، وقد يؤدي نشاطهم إلى ارتفاع أسعار الأصول الاستثمارية في السوق).
يدفع شراء المتداولين الأفراد لخيارات الشراء قصيرة الأجل صناع السوق إلى شراء الاصول الأساسية للتحوط، مما يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع .
والسؤال هل تستمر اسعار الذهب بالانخفاض؟
ليكون الجواب وفق التوقعات وتحليلات السوق العالمي لعام 2026 إلى احتمالية كبيرة لارتدادات سعرية في السوق واستمرار ارتفاع أسعار الذهب، مدفوعاً بطلب قوي من البنوك المركزية، مع احتمال تزايد التوترات الجيوسياسية، وعدم تاثير السياسة النقدية للفدرالي الأمريكي في تقوية قيمة الدولار ،حيث يُتوقع أن يتجاوز حاجز الـ 5100 دولار للأونصة وهو ما حصل اليوم. ولهذا قد تشهد الأسعار الذهب تصحيحات فنية في الأسعار نحو الارتفاع لان النظرة العامة لا تزال إيجابية أمام هذا المعدن الاستثماري.
والسؤال الذي يمكن ان يطرح،هل هناك تخوف من الاستثمار في الذهب؟
والجواب موجود في هذا المقال المقدم من Peter Schiff، وهو مستثمر وسمسار بورصة أمريكي، ومعلق مالي، وشخصية إذاعية شهيرة،ومن أبرز المتفائلين بالذهب (Gold bug) والمستثمرين، ويُعرف بكونه رئيس استراتيجيي العملات في Euro Pacific Capital Inc ، كما اشتهر بتنبؤه الدقيق بالأزمة المالية العالمية لعام ٢٠٠٨ حيث يؤكد ان:
1-العالم الآن يسحب البساط من تحت أقدام الولايات المتحدة.
2-الدولار على وشك الانهيار. سيحل الذهب محل الدولار.
3-البنوك المركزية تشتري الذهب… إنها تتخلص من الدولارات ذات القيمة المنخفضة.
4-نحن نتجه نحو أزمة مالية أخرى ستجعل أزمة ٢٠٠٨ المالية تبدو وكأنها نزهة مدرسية.
5-هذه ليست أزمة مالية عالمية، بل هي أزمة مالية أمريكية ولهذا فان بقية العالم ستستفيد منها.
6-الفقاعة تكمن في الدولار. الفقاعة تكمن في الاقتصاد الأمريكي.


