جامعة البيان ،كلية ادارة الاعمال:
سبق وان تم عرض ثلاث مقالات حول القيادة الادارية الجافة ،والقيادة الادارية السلبية والقيادة الادارية الفوضوية او السائبة ،وهي انماط قيادية ادارية حديثة لها مبدعيها وكتابها،تعكس سلوك القائد الاداري والتي من خلال مضمونها يتجسد الجانب السلبي ولربما القسوة الادارية في تعامل القائد مع المرؤوسين وفي ممارسة العملية الادارية إعتقادا من ان ذلك السلوك القيادي القاسي والسلبي والفوضوي هو الضامن لديمومة منظمة الاعمال.
ولكي لايكون توجهنا سلبي تشاؤمي في استعراض ان الفكر الاداري لم يقدم سوى الانماط القيادية السلبية والقاسية والمتعبة، وان كل القادة الاداريين هم من ذوات الانماط القيادية تلك التي أربكت العمل الجماعي من خلال سلوك القائد القاسي وتعامله مع المرؤوسين، لذلك سوف نعرض نقيض تلك الانماط القيادية التي عرضها الفكر الاداري وهو نمط القيادة الروحية Spiritual Leadership والتي تعد من النظريات القيادية الحديثة والمعاصرة حيث ركزت على الممارسات الاخلاقية والسلوكية والروحية للقائد الاداري في تعامله مع المرؤوسين وتكريمه لهم اثناء ادارته،إبتعادا عن الانا القاسي واعتبار احترام العاملين وتكريمهم هي جزء من مهمته الادارية .
إن القيادة الادارية الروحيةSpiritual Leadership نظريةقيادية معاصرة تعد من نماذج القيادة الانسانية التي (ترفض الاعتماد على قيم تحقيق المصلحة الشخصية مثل امتلاك القوة والثروة ) لمن يتحمل المسؤولية.
وبناء على ذلك يمكن تعريف القيادة الروحية بانها (تجسيد للقيم الروحية التي يتحلى بها القائد في تعامله الاخلاقي من الافراد العاملين كالايمان وحب الايثار وتكوين الرؤية المستقبلية للمنظمة).
والقيادة الادارية الروحية تشير إلى أسلوب قيادي ( يدمج القيم، الأخلاق، والمعاني السامية في بيئة العمل لتحفيز الموظفين وزيادة انتمائهم. تركز على الرؤية، الأمل، والإيثار لتحقيق أهداف المنظمة).ومقل هذا الدمج( يعزز الالتزام والثقة والإنتاجية من خلال تلبية الحاجات النفسية والروحية للعاملين، ويجعل القائد نموذجاً يُحتذى به يركز على الرحمة والنزاهة لضمان الترابط الاجتماعي والنجاح المستدام).
وتعرف ايضا على انها(تشجيع لبيئة عمل تمكن الافراد من عرض مواهبهم فيها،قائمة على الثقة والقيم الانسانية) المعروفة.
وينظر لها أيضا كونها( نهج يركز على القيم الروحية والأخلاقية في الإدارة، ويهدف لإشباع الاحتياجات الروحية للموظفين عبر منح العمل معنى وقيمة تتجاوز الماديات).
ولابد من التاكيد ان السلوك الروحي كممارسة هي توصية إلهيه للبشر تجسدت في أكثر من سورة قرآنية وآية مباركة، مثل قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء 70).
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾(البقرة143).
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الاعراف 99).
وحديث قدسي شريف (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
وقول للامام علي(ع):
(الروح حياة البدن والعقل حياة الروح).
وهذه الايات الكريمات واحاديث وأقوال من أكرمهم الله أكراما خاصا ،تفسير حقيقي وتوصية صريحة من الله عز وجل في الابتعاد عن ظاهرة الاستعلاء السلوكي لبعض القادة الاداريين على من يقودوهم ويعملون معهم، من خلال شعورهم ( بالعلو والغرور والكبرياء الأجوف الناتج عن تزاحم الذوات، وصراع الأنا والمصالح)،وعدم فقههم للعمل الاداري بشكل عام والقيادي منه بشكل خاص.
وفي هذه الآيات توصية إلاهية فيها من الرحمة الربانية لشكل التعامل الذي يجب ان يكون مع الاخرين،وبتاكيد أن(التعامل الإلهي هو تعامل رأفة ورحمة للناس، فالغنى رحمة للناس والفقر كذلك، والحياة رحمة للناس والموت كذلك)وهكذا في كل شيء ،جسده الله سبحانه وتعالى في آيات كريمات. فالرأفة والرحمة ميزان إلآهي للناس يضمن ويوفر لهم(ما استحقوه من الثواب من غير تضييع لشيء منه).
لقد اصبحت القيادة الروحية مجال اهتمام وعناية كبيرة في الدراسات الإدارية والتنظيمية وركيزة أساسية في نجاح وتفوق منظمات الاعمال من خلال صناعة واعداد القائد الاداري الذي يكون جل اهتمامه هو( إلهام وتحريك مواردها البشرية العاملة فيها نحو دلالات التسامي، إذ أن توافر الطاقة الروحية عند القائد يمثل أحد جوانب السلوك التحفيزي لمرؤوسيه، وكذلك جانبا اساسيا لفاعلية قيادته لهؤلاء المرؤوسين).
ولكي يضمن القائد الروحي Spiritual leader ذلك الدور وفق هذا المضمون يجب ان يتمتع ويتحلى بحزمة من الصفات عند قيادته لاي منظمة اعمال ، وهذه الصفات هي (الرحمة و الشجاعة و الصدق و التواضع و الالهام و النزاهة و الشعور بالهدف و الحدس و التفاعل و الانفتاح و الصبر و التسامح، وهذه الصفات يشترك فيها الفرد الروحي مع القائد الروحي لكن من المتوقع ان يكون القائد الروحي لديه نفس الخصائص في مستوى اعمق من الاخرين).ومن خلال هذه الصفات يستطيع القائد ان يتعامل مع المرؤوسين ويضمن تحقيق الاهداف من قبلهم ،وهم سيكونون مبدعين وملهمين وفق روحانيتهم لذلك.
ولكون القيادة الروحية منهج معاصر في السلوك القيادي ، فقد زاد اهتمام الباحثين في عرض ومناقشة ابعادها فمنهم من حددها بسبعة ابعاد واضحة وهي (الرؤية ،والامل ،والايمان ،وحب الايثار، والمعنى ، والالتزام التنظيمي، والانتاجية) ومن خلال هذه الابعاد يشترك القائد مع المرؤوسبن في تجسيد جوانب التسامي داخل المنظمة وتعظيم الطاقة الروحية للجميع وبهذا يسير بها نحو النجاح والرقي والاستدامة والازدهار .
واذا ما اتقن القائد الاداري مهارة العلاقة الروحية مع المرؤوسين فان ذلك يؤدي الى نتيجة جامعة بين(قوة الترابط الاجتماعي وتحقيق الاهداف،فقوة الترابط الاجتماعي يعد ذلك تأصيل للرحمة بين الناس،ومن أبرز سماتها: المودة، والتقارب، والألفة)واذا ما تحقق ذلك تصبح منظمة الاعمال بقائدها ومرؤوسيها أكثر قدرة على تحقيق الاستدامة والازدهار والنمو .
ان القائد الاداري في اي منظمة اعمال اذا ابتعد عن روحية القيادة قد يكون ظالما وسوف يفهم ان سلب حقوق المرؤوسين هو ظلم سيدفعه ،وسيشاهد بعينه نقمة ذلك التصرف داخل المنظمة ،ان آجلا ام عاجلا.


