اختلال مفهوم الوطنية وأدوات الفرز الإقصائي
تعكس الوقائع الأخيرة في العراق والمنطقة اختلالاً خطيراً في مفهوم الوطنية وحدودها العملية، حيث لم تعد الوطنية إطاراً جامعاً يقوم على العدالة والمساواة بين المواطنين، بل جرى تفريغها من مضمونها وتحويلها في الخطاب العام إلى أداة فرز وإقصاء، تبيح التضامن حين يخدم هوية بعينها، وتدينه حين يصدر عن هوية أخرى.
ازدواجية التضامن العابر للحدود
في هذا السياق، يصبح تضامن شخصية رسمية عراقية مع مقاتلة كردية خارج حدود الدولة فعلاً محموداً يُصنف باعتباره إنسانياً أو قومياً، بينما يتحول الاعتراض عليه إلى تهمة جاهزة بالعنصرية أو الانغلاق. وفي المقابل، حين يعلن سني عراقي تعاطفه مع جماعات سنية عابرة للحدود، مهما كان خطابها أو سجلها الدموي، يجد دائماً من يمنح ذلك غطاءً مذهبياً باعتباره امتداداً طبيعياً للانتماء في مواجهة خصم شيعي مُصوَّر سلفاً بوصفه خطراً وجودياً.
“قاموس التخوين” واستهداف الهوية الشيعية
لكن هذه المرونة الخطابية تنهار بالكامل عندما يتعلق الأمر بشيعي عراقي يبدي تعاطفاً مع شيعة خارج الحدود، وخصوصاً في إيران؛ حيث يُستنفر قاموس التخوين دفعة واحدة، وتُطلق أوصاف التبعية والعمالة وتهم تقويض الدولة، وكأن الانتماء المذهبي يتحول فجأة من حق مشروع إلى جريمة سياسية وأخلاقية. هذا التناقض ليس اختلافاً عفوياً في الرأي، بل هو نتاج مسار ثقافي وسياسي طويل عمل على عزل الشيعة عن محيطهم وتجريدهم من أي عمق تضامني، بهدف تحويلهم إلى كتلة منزوعة السند سهلة الاستهداف.
تجارب العزل من البعث إلى “داعش“
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن هذا العزل لم يكن يوماً غاية بحد ذاته، بل مقدمة لإقصاء أشد قسوة، انتهى في أكثر من محطة إلى إبادة رمزية ثم مادية، كما شهد العراق في حقبة البعث ثم في زمن “داعش”. الأخطر في هذا المسار أنه يعيد تعريف الوطنية بوصفها صراعاً داخلياً لا مظلة حماية مشتركة، ويختزل السيادة في قطيعة مذهبية لا في استقلال القرار الوطني؛ فالحدود التي رسمتها “سايكس بيكو” يجري تجاوزها بلا تردد حين يخدم التجاوز هوية معينة، بينما تتحول إلى خطوط حمراء مقدسة حين يتعلق الأمر بهوية أخرى.
مآلات الوطنية الزائفة ومشاريع الإخضاع
إن استمرار هذا المنطق يعني تكريس دولة عاجزة عن بناء عقد اجتماعي متوازن؛ دولة تقوم على تصنيف مواطنيها وفق ولاءاتهم المفترضة لا حقوقهم الدستورية، وتفتح الباب أمام صراعات داخلية دائمة يجري فيها استدعاء الخارج مرة بوصفه حليفاً ومرة بوصفه “فزاعة” بحسب حاجة الخطاب السائد. إن أي وطنية تطلب من فئة بعينها قطع امتداداتها والتبرؤ من تاريخها وهويتها ليست وطنية بل “مشروع إخضاع”، والدولة التي لا تحتمل التعدد في أشكال التضامن هي دولة تخشى مواطنيها أكثر مما تحميهم.
نحو مفهوم شامل للحقوق والشرعية
إن الخروج من هذه الأزمة لا يكون عبر مزيد من التخوين، ولا عبر فرض تعريف أحادي للوطنية، بل عبر إعادة الاعتبار لمفهومها بوصفها حقاً متساوياً في الانتماء والتضامن والاختلاف، والإقرار بأن الانتماءات العابرة للحدود ليست حكراً على قومية أو مذهب، وأن تجريمها بشكل انتقائي لا يدافع عن الدولة بل يقوض شرعيتها من الداخل.
الخلاصة: كلفة تكرار التاريخ
في المحصلة، لا يمكن بناء دولة مستقرة على أساس وطنية انتقائية؛ لأن هذه الوطنية ليست سوى غطاء ناعم لمشاريع إقصاء قديمة بوجوه جديدة. وما لم يتم تفكيك هذا الخطاب، فإن التاريخ سيعيد إنتاج نفسه، ولكن بكلفة أعلى يدفع ثمنها الجميع دون استثناء.


