المقدمة:
منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في دافوس مطلع عام 2026 عن تأسيس “مجلس السلام”، بدا المشروع وكأنه يتجاوز مجرد مبادرة لإدارة ملف غزة أو إعادة إعمارها. فالمجلس، وفق وثائقه التأسيسية وخطاباته الرسمية، يطرح نفسه كمنظمة دولية بديلة، تسعى إلى إدارة النزاعات العالمية عبر آليات جديدة تقوم على الصفقات والتفاهمات الثنائية، بعيدًا عن المرجعيات القانونية الدولية التي تمثلها الأمم المتحدة. هذا التحول يعكس فلسفة “أمريكا أولًا”، حيث تُختزل الشرعية في النتائج، ويُدار السلام كسلعة قابلة للتفاوض والشراء.
أولًا: الهيكلية – رئاسة مطلقة وعضوية مشروطة
يتولى ترامب رئاسة المجلس بصلاحيات استثنائية تشمل حق النقض على أي قرار، والحق الحصري في دعوة الأعضاء أو عزلهم، إضافة إلى صلاحية تعيين خليفته. هذه الامتيازات تجعل منه مركز القرار الأعلى، لا مجرد وسيط دولي. أما العضوية، فهي مشروطة بمساهمة مالية لا تقل عن مليار دولار، ما يحول السلام إلى امتياز اقتصادي وسياسي تحدده القدرة على الدفع ودرجة الولاء. المجلس التنفيذي يضم شخصيات مقربة من ترامب ورجال أعمال بارزين، في انعكاس واضح لنزعة تجارية تتناقض مع أعراف الدبلوماسية التقليدية. –
ثانيًا: الرسالة الجيوسياسية – منافسة الأمم المتحدة
الميثاق ينص صراحة على تجاوز “المؤسسات التي فشلت”، في إشارة إلى الأمم المتحدة، ليطرح المجلس نفسه كمنصة عملياتية بديلة أكثر سرعة ومرونة. ورغم أن المشروع انطلق من غزة، فإن النصوص الرسمية تخلو من أي ذكر مباشر لها، ما يؤكد أن الهدف يتجاوز الشرق الأوسط ليشمل نزاعات كبرى مثل أوكرانيا وتايوان. التركيبة الأولية للأعضاء تكشف محورًا جديدًا مواليًا لواشنطن، مع غياب ملحوظ للقوى الأوروبية الكبرى، في محاولة لإعادة هندسة التحالفات الدولية وفق رؤية أمريكية أحادية.
ثالثًا: التطبيقات العملية – غزة نموذجًا
في الشرق الأوسط، يظهر المجلس كأداة لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي. فلا وجود لأي تمثيل فلسطيني داخل هيئاته، فيما يتركز الخطاب على نزع سلاح حركة حماس وضمان الأمن لإسرائيل. الرؤية الاقتصادية المطروحة لقطاع غزة تقوم على الاستثمار والسياحة الساحلية، متجاوزة المرجعيات الدولية مثل قرارات الأمم المتحدة ومبدأ حل الدولتين. الاستقبال الدولي والإقليمي كان فاترًا؛ إذ امتنعت الصين وروسيا وفرنسا عن الانضمام، فيما أبدت دول عربية تحفظًا على المشروع باعتباره تهديدًا مباشرًا للمرجعية السياسية للقضية الفلسطينية.
رابعًا: الغطاء للتوسع الأمريكي
رغم أن المجلس لا ينص صراحة على ضم أراضٍ أو اقتسام العالم بين القوى الكبرى، إلا أن فلسفته القائمة على الصفقات والتفاهمات تمنحه القدرة على أن يكون غطاءً لطموحات توسعية. مشاريع مثل السيطرة على غرينلاند أو إعادة إدماج فنزويلا في محور واشنطن يمكن أن تُطرح تحت شعار “السلام والتنمية”، فيما يُشجع الحلفاء التقليديون على الاعتماد على أنفسهم في الدفاع، مع تحويل العلاقة إلى عقود تجارية مربحة لشركات السلاح الأمريكية. بهذا المعنى، يصبح المجلس منصة لإدارة الفوضى العالمية وفق قواعد واشنطن، لا لإحلال سلام شامل.
الخاتمة:
يمثل “مجلس السلام” التجسيد العملي لفلسفة “أمريكا أولًا” في إدارة الشأن الدولي، حيث تتحول التعددية إلى أحادية، والحقوق إلى معاملات، والشرعية إلى نتائج. إنه ليس وعدًا بسلام شامل، بل أداة لإعادة توزيع النفوذ العالمي وتوجيهه بما يخدم المصالح الأمريكية. وبين النظام الدولي القائم الذي يتآكل أمام أعيننا، والنموذج الأمريكي الصاعد، يقف العالم عند مفترق طرق حاسم قد يحدد ملامح القرن القادم.


