إيران ودافوس: سقوط الأقنعة الأخلاقية للنظام الدولي

إيران ودافوس سقوط الأقنعة الأخلاقية للنظام الدولي
تكشف قضية إلغاء مشاركة وزير الخارجية الإيراني في دافوس عن أزمة أخلاقية في النظام الدولي، حيث تُقصى أصوات بدوافع سياسية وتُحمى أخرى رغم انتهاكات جسيمة، ما يعمّق الشكوك حول حياد المؤسسات العالمية وصدقية القيم الغربية....

أعاد إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي إلغاء مشاركته في منتدى دافوس، بذريعة ضغوط سياسية و«أكاذيب» مارستها إسرائيل وحلفاؤها، فتح ملفٍ أعمق من مجرد استبعاد مسؤولٍ من منصة دولية.

فالحدث، في جوهره، ليس إجرائياً ولا بروتوكولياً، بل سياسي–أخلاقي، يضع منظومة القيم التي يدّعيها الغرب أمام اختبار جديد، ربما هو الأشد حرجاً منذ سنوات.

منتدى دافوس، الذي تأسس بوصفه مساحة للحوار الاقتصادي العالمي، تحوّل تدريجياً إلى ما يشبه “نادي النخبة السياسية–الاقتصادية”، حيث لا تُدار النقاشات دائماً وفق منطق الشمول والتعدد، بل وفق ميزان القوى والنفوذ. ومن هنا، فإن إقصاء صوتٍ إيراني رفيع المستوى – إن تم فعلاً بدوافع سياسية – يعكس انزلاق المنتدى من الحياد إلى الاصطفاف، ومن الحوار إلى الإقصاء الناعم.

المفارقة التي أشار إليها عراقتشي، والمتعلقة باستمرار دعوة مسؤولين إسرائيليين رغم حرب غزة وما خلّفته من عشرات آلاف الضحايا المدنيين، تضرب في عمق السردية الأخلاقية الغربية.

فحين تُرفع شعارات حقوق الإنسان في وجه خصوم بعينهم، وتُطوى الصفحة ذاتها حين يتعلق الأمر بحلفاء استراتيجيين، يصبح الحديث عن “قيم عالمية” أقرب إلى أداة سياسية منه إلى مبدأ إنساني.

هذا الكيل بمكيالين لا يسيء فقط إلى مصداقية دافوس، بل إلى المنظومة الدولية برمتها.

أما في البعد الأمني، فإن تأكيد إيران أنها كانت “تدافع عن شعبها” في مواجهة جماعات مسلحة مدعومة خارجياً، يندرج ضمن محاولة إعادة تعريف أفعالها في الإقليم باعتبارها إجراءات دفاعية استباقية. سواء اتفق المراقب مع هذه الرواية أم لا، فإن الثابت هو أن طهران تسعى إلى نقل النقاش من خانة الاتهام إلى خانة التبرير المشروع، وربط أمنها القومي مباشرة بما تصفه بتهديدات عابرة للحدود.

سياسياً، تبدو إيران أقل اهتماماً بإعادة فتح أبواب دافوس أمامها، وأكثر تركيزاً على استثمار الواقعة لتكريس خطاب أوسع: نظام دولي منحاز، ومؤسسات عالمية فقدت استقلالها، وقيم تُستخدم بانتقائية. هذا الخطاب يجد صدى متزايداً في دول الجنوب، وفي قوى دولية صاعدة باتت ترى في الهيمنة الغربية عائقاً أمام عدالة النظام العالمي لا ضمانة له.

إن ما حدث في دافوس لا يمكن عزله عن السياق الدولي الأوسع، حيث تتآكل الثقة بالمؤسسات التقليدية، ويتعمق الانقسام بين عالمٍ يدّعي تمثيل القيم، وآخر يشكك في صدقيتها. وفي هذا المشهد، لا تبدو المعركة معركة حضور أو غياب، بل معركة رواية وشرعية.

قضية إلغاء مشاركة وزير الخارجية الإيراني في دافوس تكشف، مرة أخرى، أن النظام الدولي يعيش أزمة أخلاق قبل أن يكون أزمة سياسة.

فحين تُقصى الأصوات المخالفة، وتُحمى الأصوات المتهمة بجرائم كبرى، يصبح السؤال الجوهري: هل ما زالت هذه المنصات مؤهلة لقيادة العالم أخلاقياً، أم أنها باتت تعكس فقط ميزان القوة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *