ازدواجية المعايير في مفهوم الدفاع عن النفس
لم يعد الجدل الدائر حول الضربات الاستباقية مسألة قانون دولي بقدر ما أصبح اختباراً فاضحاً لازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي؛ فبينما تمنح إسرائيل حق ضرب أي دولة أو جهة بذريعة تهديد أمنها القومي، يجري إنكار الحق ذاته على دول أخرى تواجه تهديداً أشد وضوحاً وتراكماً وفي مقدمتها إيران. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسّع النظام الدولي الغربي تفسير مفهوم الدفاع عن النفس بصورة انتقائية.
التوسّع الإسرائيلي في تفسير التهديد
على مدى سنوات طويلة، وسّعت إسرائيل مفهوم التهديد إلى حدود غير مسبوقة، فلم تعد تنتظر هجوماً فعلياً بل تكتفي بتقدير نوايا أو قدرات مستقبلية لتبرير عمليات عسكرية داخل أراضي دول ذات سيادة. وقد جرى تسويق هذا السلوك غربياً باعتباره دفاعاً عن النفس رغم غياب التفويض الدولي ورغم تعارضه الصريح مع مبادئ السيادة وعدم استخدام القوة.
المؤشرات الميدانية والوجود العسكري الأمريكي
في المقابل، تجد إيران نفسها محاطة بوجود عسكري أمريكي كثيف من مختلف الجهات، وتواجه تهديدات علنية ومتكررة من أعلى المستويات السياسية في واشنطن، يواكبها تحريك أساطيل بحرية ونشر حاملات طائرات ورفع درجات الإنذار وإجراءات إخلاء في قواعد ومواقع قريبة من مسرح المواجهة. هذه المؤشرات لا تقرأ في منطق الاستراتيجيات العسكرية كتحركات روتينية، بل تعد مقدمات ضغط قسري أو تحضير لعمل عسكري محتمل.
ميزان القوة مقابل روح الميثاق الأممي
وفق مفاهيم الأمن القومي، لا تقوم الدول بتقدير الخطر على أساس الضربة الأولى فقط، بل على تلاقي النية والقدرة والاستعداد؛ وعندما تتوافر هذه العناصر يتحول الوجود العسكري المعادي من حالة ردع إلى منصات تهديد مباشر. وبناءً على هذا الفهم، فإن القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة تمثل في الرؤية الإيرانية مصادر خطر حقيقي، لا سيما عندما تقترن بتهديدات سياسية معلنة وتحركات ميدانية غير اعتيادية.
الميثاق الأممي في مادته الـ 51 لا يميز بين دولة وأخرى في حق الدفاع عن النفس، غير أن التطبيق العملي لهذا النص ظل خاضعاً لميزان القوة لا لروح القانون. فالولايات المتحدة نفسها استخدمت مفهوم التهديد المحتمل لتبرير حروب وعمليات عسكرية خارج أراضيها، كما دعمت السلوك الإسرائيلي ذاته تحت العنوان نفسه، ومع ذلك يُطلب من إيران الالتزام بتفسير ضيق للدفاع عن النفس لا يطبق على خصومها.
العقلانية الاستراتيجية وحسابات الصراع
إن منح إسرائيل حق الضربة الاستباقية بحجة الأمن القومي يفرض منطقياً وقانونياً منح إيران الحق ذاته طالما أن التهديد قائم والأدوات العسكرية ماثلة والمعايير واحدة، وإلا فإننا أمام نظام دولي انتقائي يحول القانون إلى أداة سياسية بيد الأقوى ويجرد الدول الأخرى من أبسط حقوقها السيادية. ورغم أن إيران لم تلجأ حتى الآن إلى استخدام هذا الحق بشكل مباشر، فإن ذلك لا يعود إلى غياب المسوغ القانوني أو الاستراتيجي، بل إلى حسابات تتعلق بإدارة الصراع وتجنب منح واشنطن فرصة بناء إجماع دولي لحرب شاملة.
الخلاصة: القانون كامتياز سياسي
هذا السلوك يعكس مقاربة عقلانية لا تنفي حقيقة أن الذريعة التي تستخدمها إسرائيل وتحظى بسببها بالحصانة نفسها متوافرة لإيران وربما بشكل أوضح وأكثر تراكماً. في المحصلة، لا يكمن جوهر المشكلة في السؤال عما إذا كانت إيران تملك الحق في استهداف الوجود العسكري الأمريكي، بل في من يملك سلطة الاعتراف بهذا الحق. وفي عالم تحكمه القوة قبل القانون، يبقى مفهوم الدفاع عن النفس امتيازاً سياسياً لا مبدأ قانونياً عاماً، وهذا ما يضع مصداقية النظام الدولي برمتها موضع تساؤل متزايد.


