سوريا اليوم… العراق الغائب عن القرار الحاضر في المخاطر

سوريا اليوم… العراق الغائب عن القرار الحاضر في المخاطر
يحلل المشهد الإقليمي في شرق وشمال سوريا باعتباره إعادة ترتيب صامتة تؤثر مباشرة على العراق، مع عودة داعش بصيغة جديدة، واستمرار هشاشة الحدود، وبقاء الحشد الشعبي ضرورة أمنية عالقة ضمن صراع إقليمي دون حسم سياسي أو سيادي....

ما يجري في شرق وشمال سوريا لا يمكن قراءته كحدث أمني معزول، ولا كملف سوري داخلي، نحن أمام إعادة ترتيب إقليمي صامت، تعاد فيه صياغة الأدوار وتختبر فيه هشاشة الدول التي تقع في المنتصف.

في قلب هذه المعادلة يقف العراق، لا بوصفه لاعباً مقرراً بل كممر توازن بين دمشق وطهران وواشنطن، مع كلفة داخلية عالية يدفعها أمنه ومستقبل مؤسساته وعلى رأسها الحشد الشعبي.

أولاً: داعش… عودة بلا ضجيج

الخطأ الاستراتيجي الأخطر هو انتظار عودة داعش بالشكل الذي عرفه العراقيون عام 2014،

داعش اليوم لا يسعى إلى السيطرة على مدن

أو إعلان خلافة، بل يعمل وفق نموذج تنظيم الظل، خلايا صغيرة، عمليات استنزاف، ضربات أمنية موضعية، وكذلك استثمار الفوضى والفراغات.

العنصر الأخطر في هذا السيناريو هو سجون داعش في شمال وشرق سوريا، حيث يُحتجز آلاف العناصر بينهم قياديون عراقيون وأجانب، وأي خلل في إدارة هذه السجون أو أي تسوية سياسية غير محسوبة، يعني عملياً إعادة ضخ كوادر تنظيمية إلى الساحة العراقية.

ثانياً: الحدود… الجغرافيا التي لا ترحم

الحدود العراقية–السورية ستبقى الخاصرة الرخوة في أي سيناريو لعودة لداعش، المشكلة ليست في انتشار القوات بل في الطبيعة الصحراوية والتداخل العشائري، ومحدودية الجهد الاستخباري العابر للحدود، داعش لا يحتاج إلى أرض بل إلى ممرات، والعراق هو الهدف الأول لأي إعادة تموضع.

ثالثاً: العراق كممر توازن لا كصانع قرار

في ظل هذه التطورات يتكرس دور العراق كـمنطقة ضبط إيقاع إقليمي، واشنطن تريد عراقاً مستقراً بالحد الأدنى يمنع الانهيار، ويحتوي داعش دون أن يتحول إلى حليف كامل.

طهران ترى في العراق عمقاً استراتيجياً وضمانة لخطوطها الإقليمية، ودمشق تحتاج العراق كبوابة تنسيق أمني وتنفس اقتصادي.

لكن العراق، في المقابل، لا يفرض شروطه على أي طرف، بل يدير التناقضات ولا يصنع القواعد،

وهنا مكمن الخطر: العراق يتحمل كلفة التوازن دون أن يمتلك امتياز القرار.

رابعاً: الحشد الشعبي… بين الضرورة والمأزق

الحشد الشعبي هو أكثر مؤسسة تتأثر بهذا المشهد المركب، أي عودة لداعش حتى بصيغة محدودة تعني تثبيت دور الحشد أمنياً، وإعادة انتشاره، وتعطيل أي حسم سياسي لمستقبله.

أما معادلة الحشد بين واشنطن وطهران،فالحشد يقف في قلب الصراع غير المعلن، واشنطن تريد تفكيكه الآن، ولا تقبل بتحوله إلى قوة مستقلة، وطهران ترى فيه ضمانة استراتيجية، لكنها لا تريد له أن يكون عبئاً مكلفاً، أما بغداد تريد ضبطه لكنها تفتقد قرار الحسم.

سيناريو المنطقة الجديد يؤكد بقاء الحشد، لكن بلا تعريف نهائي لدوره.

خامساً: إلى أين يتجه المشهد؟

إذا استمرت المعادلة الحالية داعش هو تهديد مستمر، والعراق ممر توازن، والحشد ضرورة بلا أفق واضح، فنحن أمام دولة لا تنهار لكنها لا تتعافى، ولا تنتج قراراً سيادياً واضحاً.

مستقبل العراق والحشد مرتبط بثلاثة أسئلة مفصلية:

هل سيعود داعش؟ نعم، ولكن بشكل مختلف.

هل العراق صانع قرار إقليمي؟ حتى الآن، لا.

هل الحشد مؤسسة دولة أم ورقة توازن؟ لم يحسم بعد.

وما لم يحسم السؤال الثالث سيبقى العراق يدفع ثمن صراعات لم يخترها، وسيظل الحشد قوياً لكنه عالق داخل معادلة بلا نهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *