منذُ أن وطئت قدما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب “عليه السلام” أرض البصرة، لم تكن هذه المدينة هامشاً في التاريخ، ولا ساحةً عابرةً للأحداث، بل كانت حوزةً دينيةً فاعلة، وموئلَ علمٍ ومعرفة ..
فيها شرع “عليه السلام” أوّل درسٍ علميٍّ مؤسِّـس، وحين عاد إلى الكوفة، أكمل المسيرة تلميذه وحبر الأمة عبد الله بن عباس “رضوان الله عليه”، لتبدأ البصرة منذ ذلك الحين مسارها كمدينة علمٍ وفكر، لا كمدينة لهوٍ أو طرب ..
ومنذ أمير المؤمنين عليٍّ “عليه السلام”، والبصرة مدرسةٌ كبرى للفكر والأدب، وملتقى تنوّعٍ معرفيٍّ راقٍ، احتضنت مدارس التفسير والحديث والتصوف والاعتزال، ومجالس الفقه، ومنابر اللغة والنحو والأدب والشعر، وأنتجت رجالاً أفذاذاً أسّـسوا للعقل العربي والإسلامي، وتركوا بصمتهم العميقة في الفلسفة والكلام والبلاغة والشعر ..
كان التنوع فيها تنوّعاً في العقل، لا في الفوضى، وتعدّداً في الرأي، لا في الانفلات ..
إنّ التنوّع، يا سادة يا كرام، ليس مدعاةً للخروج عن المألوف، ولا ذريعةً لانتهاك النواميس، ولا عنواناً للتمايل طرباً ورقصاً وانحلالاً ..
الثقافة ليست ضجيجاً، ولا استعراضاً جسديّـاً، ولا مشاهد خادشة تُـسوَّق باسم الحداثة .. الثقافة، في جوهرها، فكرٌ وسلوكٌ معرفيٌّ راقٍ، يرقّـي الإنسان ولا يبتذله، ويهذّب الذائقة ولا يلوّثها ..
إنّ الخلط المتعمّـد بين التنوّع الثقافي والانحلال الأخلاقي، خلطٌ زرعه في الأذهان:
– يسارٌ مثقلٌ بالعُـقَـد والإنحطاط.
– وبعثٌ جاهلٌ مجرم تلطّـخت يداه بالرذيلة والدماء.
فحوّلا الثقافة من رسالةٍ إلى وسيلة، ومن بناءٍ للوعي إلى هدمٍ للقيم ..
والغريب أن بعض الجهّـال يفاخرون بالبصرة بوصفها مدينة الثقافة، ويعدّدون مدارسها: التفسير، والحديث، والفقه، والاعتزال، والتصوّف، واللغة، والأدب، والشعر، ثم لا يجدون فيها من الغناء شيئاً، فينقلبون فجأة إلى دعاة قبول حفلات الغناء، بما يتخلّـلها من إساءاتٍ للمدينة وأهلها، تحت ذريعة «التنوّع» و«الثقافة».
أيّ تناقضٍ هذا؟
وأيّ ثقافةٍ تلك التي تُـختزل في مسرحٍ صاخب، وتُـغفل تاريخاً من العلم والتقوى والتضحية والشهادة؟
المدن الكبرى لا تُقاس بما يُعرض على منصاتها، بل بما راكمته من معنى تاريخي. وحين يُفصل الفعل الثقافي عن سياقه القيمي، يتحول إلى أداة تفريغ لا بناء. البصرة، بوصفها حاضنة العقل الإسلامي، ترفض هذا الاختزال السطحي لهويتها. إن الدفاع عن تاريخها العلمي هو دفاع عن وظيفة الثقافة في صناعة الوعي. مَـن يرى البصرة بيتَ طرب، فهو من بيت طرب أو قادم من بيت طرب .. تلك هي الحقيقة .. ومَـن يراها على حقيقتها:
مدينة الحوزة العلمية الأولى في تاريخ الإسلام، ومدينة الثقافة الحقيقية، ومدينة التضحيات والشهادة، فهو ابن البصرة الحقيقي .. البصرة لم تكن يوماً مدينة جسدٍ بلا عقل، ولا لهوٍ بلا رسالة ..
كانت وستبقى البصرة:
– مدينة الفكرة.
– وموطن العلم.
– وحاضنة القيم.
مهما حاول العابثون تشويه صورتها أو تفريغها من معناها.


