إشكالية السيادة في النظام الفيدرالي العراقي: من الفيدرالية الهشّة إلى الدولة القوية

إشكالية السيادة في النظام الفيدرالي العراقي من الفيدرالية الهشّة إلى الدولة القوية
الانتقال من الفيدرالية الهشة إلى دولة اتحادية قوية يتطلب عقداً وطنیاً جدیداً يضمن: سيادة موحدة على الحدود والتمثيل الخارجي، وشراكة عادلة في ثروة النفط والغاز، واستقراراً داخلیاً للإقليم كشريك فاعل ضمن الإطار الدستوري العراقي....

المقدمة:

 العراق على مفترق السيادة

يقف العراق اليوم أمام اختبار وجودي يتمثل في قدرته على بناء دولة اتحادية قوية قادرة على حماية سيادتها وإدارة مواردها وتمثيل نفسها بفاعلية في المحافل الدولية. فمنذ عام ٢٠٠٣، أفرز النظام الفيدرالي العراقي واقعاً معقداً اتسم بالهشاشة، حيث تحوّل في كثير من الأحيان إلى “دولة داخل دولة”. ومع تصاعد التهديدات الأمنية العابرة للحدود، وتفاقم الخلافات الداخلية حول السلطة والثروة، بات الانتقال من الفيدرالية الهشة إلى فيدرالية وظيفية ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

المحور الأول: السيادة الأمنية وحماية الحدود الدولية

لا يمكن الحديث عن دولة قوية دون سيادة أمنية موحدة على حدودها.

– الوضع الراهن: تكثيف الزيارات الميدانية للقادة العسكريين والأمنيين إلى الحدود الغربية، وعقد اجتماعات طارئة برئاسة رئيس الوزراء بمشاركة ممثلي الإقليم وقادة قوات البيشمركة، يعكس إدراكاً لخطورة التهديدات القادمة من سوريا، خصوصاً هروب عناصر تنظيم “داعش” من السجون. ورغم إعلان بغداد أن الحدود “محصنة”، يبقى التحدي في آلية التنفيذ الموحدة.

– المطلوب:

  1. إنشاء قيادة عمليات حدودية مشتركة دائمة، تضم الجيش العراقي وقوات البيشمركة وحرس الحدود، وتكون الذراع التنفيذية للقائد العام للقوات المسلحة.
  2. توحيد الولاء والمهمة عبر قسم موحد للدفاع عن سيادة العراق وسلامة أراضيه.
  3. دمج أنظمة المراقبة والاستخبارات والإنذار المبكر في قاعدة بيانات موحدة لصنع قرار أمني مركزي.

المحور الثاني: إدارة الثروة الوطنية من النزاع إلى الشراكة

يمثل ملف النفط والغاز والموازنة العصب الرئيس للخلاف بين بغداد وأربيل.

– الوضع الراهن: رغم وجود إرادة سياسية لحل الملفات العالقة، فإن الحلول المؤقتة والتفاهمات الهشة لا تبني ثقة دائمة.

– المطلوب:

  1. إقرار قانون اتحادي للنفط والغاز يحدد بوضوح سيادة الدولة على إدارة الموارد، ويضمن مشاركة عادلة للإقليم في الإدارة والعائدات.
  2. إنشاء صندوق ثروة سيادي عراقي تُودع فيه نسبة من العائدات النفطية والغازية، ويُدار بشفافية لتمويل مشاريع التنمية في جميع المحافظات.
  3. توحيد المنظومة المالية عبر آلية وطنية لإدارة موارد الإقليم ورواتب موظفيه وقواته، بما ينهي أزمات الرواتب المتكررة ويعزز الثقة المالية.

المحور الثالث: التمثيل الدبلوماسي بصوت واحد للعراق

السياسة الخارجية هي مرآة قوة الدولة ووحدتها.

– الوضع الراهن: الخطاب الرسمي العراقي يؤكد موقفاً موحداً تجاه الأزمة السورية، ومشاركة ممثلية الإقليم في الاجتماعات الأمنية العليا مؤشر إيجابي.

– المطلوب:

  1. حصر التمثيل الخارجي بوزارة الخارجية في بغداد باعتبارها الممثل الرسمي الوحيد للدولة العراقية.
  2. السماح للإقليم بإنشاء مكاتب تمثيل اقتصادي وتجاري تحت مظلة السفارات العراقية، لتعزيز المصالح الاستثمارية دون المساس بوحدة السياسة الخارجية.

المحور الرابع: استقرار الإقليم كشريك في بناء الدولة

لا يمكن بناء حكومة اتحادية قوية مع إقليم يعاني من انقسام داخلي.

– الوضع الراهن: الخلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وتعثّر تشكيل حكومة إقليمية مستقرة يضعف قدرة بغداد على التفاوض.

– المطلوب: دعم جهود الوساطة المركزية لمساعدة الأطراف الكردية على تشكيل حكومة ائتلافية قوية وفعالة، لأن استقرار الإقليم شرط أساسي لأي شراكة اتحادية ناجحة.

الخاتمة:

 نحو عقد وطني جديد

الخيار أمام العراق ليس بين مركزية خانقة أو فيدرالية مفككة، بل بين الفوضى أو الدولة. إن الانتقال من الفيدرالية الهشة إلى الفيدرالية الوظيفية يتطلب جرأة سياسية من بغداد وأربيل للاتفاق على عقد وطني جديد يحدد بوضوح:

  1. السيادة الموحدة في حماية الحدود وتمثيل الدولة خارجياً.
  2. الشراكة العادلة في إدارة الثروة وتوزيعها.
  3. استقلالية إدارية للإقليم ضمن إطار دستوري واضح.

إن استمرار الوضع الراهن يمثل الخطر الأكبر على مستقبل العراق، بينما بناء حكومة اتحادية قوية مع شريك إقليمي مستقر هو الضمانة الوحيدة لاستقرار البلاد وتقدّمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *