بذخ النخبة وعبء المواطن: الاقتصاد العراقي على حافة الانهيار

بذخ النخبة وعبء المواطن الاقتصاد العراقي على حافة الانهيار
ثروة نفطية هائلة تتعايش مع فقر شعبي مدقع؛ اقتصاد رهين التقلبات يئن تحت وطأة الفساد المؤسسي وبذخ النخبة. الواقع المرير يفرض إصلاحاً جذرياً سياسياً واقتصادياً لوقف الانهيار وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والكفاءة قبل فوات الأوان...

المقدمة:

العراق يقف اليوم أمام مفارقة مؤلمة: بلد يطفو على بحر من الثروة النفطية، بينما يعيش جزء كبير من شعبه في فقر مدقع. هذه المفارقة ليست مجرد خلل اقتصادي، بل هي انعكاس لأزمة بنيوية عميقة، حيث يتقاطع بذخ النخبة الحاكمة مع نظام جبائي يرهق المواطن العادي، في مشهد يهدد بانهيار شامل لمؤسسات الدولة.

هشاشة الاقتصاد وارتهان النفط

الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، ما جعله رهينة لتقلبات الأسواق العالمية. كل هبوط في الأسعار يترجم إلى عجز في الموازنة، وكل ارتفاع مؤقت يُستهلك في نفقات غير منتجة. النفط الذي كان يفترض أن يكون شريان حياة، تحول إلى قيد يربط الدولة بمصير خارجي لا تملك السيطرة عليه، فيما بقيت القطاعات الأخرى من زراعة وصناعة وسياحة مهمشة بلا استثمار حقيقي.

سياسات مالية مرتبكة وتضخم خانق

السياسات المالية والنقدية تتسم بالارتجال وغياب الرؤية، وهو ما انعكس في تآكل القدرة الشرائية للمواطنين وتراجع مستوى المعيشة. النظام الضريبي غير العادل يثقل كاهل الفئات الضعيفة، بينما تنجو الشركات الكبرى من دفع مستحقاتها عبر شبكات النفوذ والفساد، ليبقى العبء الأكبر على المواطن البسيط الذي يواجه الغلاء وانعدام العدالة.

بذخ مؤسسي واستنزاف الموازنة

الموازنات الحكومية تكشف عن حجم الهدر: امتيازات ورواتب ضخمة للنخبة السياسية، سفر المسؤولين المتكرر، واساطيل السيارات الفارهة وصيانتها، فيما يعاني المواطن من نقص الخدمات الأساسية. قوانين خاصة مثل “رفحاء” رسّخت طبقية صارخة، حيث يحصل المستفيدون على رواتب مجزية لكل افراد العائلة ورعاية شاملة، بينما الموظفون العاديون يواجهون واقعًا قاسيًا بلا حماية أو مساواة.

الفساد: سرطان ينخر جسم الدولة

الفساد في العراق ليس ظاهرة عابرة، بل هو بنية متجذرة تقوض مؤسسات الدولة. من التعيينات إلى العقود والمناقصات المشبوهة، وصولًا إلى تهريب النفط والأموال، كلها حلقات في سلسلة طويلة أنهكت الاقتصاد وأفقدت المواطن ثقته بالدولة. الفساد أصبح منظومة قائمة بذاتها، تتغذى على ضعف الرقابة وغياب المساءلة.

الانهيار الاجتماعي

الفقر والبطالة والهجرة الداخلية والخارجية، إلى جانب تردي الخدمات من كهرباء وصحة وتعليم، كلها مظاهر لانهيار اجتماعي متسارع. المواطن العراقي يجد نفسه محاصرًا بين بذخ النخبة وغياب أبسط مقومات العيش الكريم، في ظل دولة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي.

الإصلاح السياسي: خطوات واضحة

الإصلاح السياسي هو المدخل لأي تغيير جذري، ويشمل:

– إعادة بناء النظام الانتخابي على أساس الكفاءة والتمثيل الحقيقي بعيدًا عن المحاصصة.

– تعزيز استقلال القضاء ليكون المرجع الأعلى في مكافحة الفساد وضمان العدالة.

– فصل السلطات بصرامة لضمان التوازن والرقابة المتبادلة.

– إصلاح البرلمان عبر تقليص الامتيازات وربط عمل النواب بمؤشرات أداء واضحة.

– تمكين المجتمع المدني والإعلام ليكونا شريكين في الرقابة وصوتًا للمواطن.

الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي

– إصلاح اقتصادي: نظام ضريبي عادل، تنويع الاقتصاد عبر الزراعة والصناعة والسياحة، وتوفير شبكة أمان اجتماعي.

– ترشيد الإنفاق: مراجعة القوانين التمييزية، تحديد سقف رواتب المسؤولين، وإلغاء امتيازات السفر والسيارات.

– مكافحة الفساد: هيئة مستقلة بصلاحيات قضائية ومالية، رقابة إلكترونية على المناقصات، واسترداد الأموال المنهوبة.

– إصلاح اجتماعي: قانون ضمان اجتماعي شامل، برنامج إسكان وطني، وتحسين التعليم والصحة بمخصصات عادلة.

الخاتمة:

العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما إصلاح جذري يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والكفاءة، أو الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. الموارد الطبيعية والبشرية توفر فرصة للتغيير، لكن التأخير في الاصلاح يهدد بفقدان كل شيء. إنقاذ العراق واجب وطني وأخلاقي، يتطلب إرادة سياسية حقيقية ومشاركة شعبية فاعلة قبل فوات الأوان.

إما أن ينهض العراق الآن، أو يسقط إلى هاوية لا عودة منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *