في زمنٍ يتقلّب فيه العالم على إيقاع الهزّات، من فنزويلا إلى اليمن وإيران، بدت بغداد وكأنها تعيش ارتدادات هذا الاضطراب على نحوٍ مختلف. لم تكن الصواريخ ولا البيانات العسكرية هي من تشغل الصالونات السياسية، بل هي الكلمة. الكلمة التي ألقاها القاضي فائق زيدان، ففتحت نقاشاً واسعاً تجاوز مضمونها المباشر، ولامس جوهر أزمة الدولة العراقية نفسها.
في حفل تأبين “قادة النصر” الذي نظمته هيئة الحشد الشعبي، قال رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان عبارته الحاسمة “المعركة انتهت ولم يعد هناك سبب لوجود السلاح”. لم تكن الجملة عابرة، ولا موجهة لجمهور عام، بل قيلت أمام قادة الحشد وهيئة أركان الجيش، وبحضور أعلى هرم الدولة السياسية. هنا تحديداً، بدأت الأسئلة. *أي معركة انتهت؟*
قراءة الخطاب بسطحية قد توحي بأن المقصود هو داعش، وأن الانتصار العسكري يفرض انتقالاً طبيعياً إلى منطق الدولة والقانون. لكن الإشكال لا يكمن في النتيجة، بل في الطريقة. فالكلام جاء وكأنه إعلان نهاية مرحلة كاملة، دون تفكيك الشروط السياسية والاجتماعية والأمنية التي رافقتها، أو الاعتراف بأن ما بعد الحرب لا يقل تعقيداً عن الحرب نفسها.
زيدان، في هذا السياق، لا يطرح رؤية استراتيجية متكاملة لإدارة الانتقال من “دولة الطوارئ” إلى “دولة المؤسسات”، بل يقدم توصيفاً قانونياً مباشراً: الحرب انتهت، إذن السلاح يجب أن ينتهي. هذا منطق قانوني مفهوم، لكنه سياسياً غير كافٍ في بلد لم تُحسم فيه بعد أسئلة السيادة، ولا طبيعة التوازن بين الدولة ومكوناتها المسلحة.
*ساحة سياسية بلا مرونة*
المعضلة الأعمق أن الخطاب سقط في بيئة سياسية تعاني جموداً بنيوياً، وتفتقر إلى المرونة اللازمة للمناورة والتكتيك، لأنها بيئة متشظية، منقسمة على ذاتها، ومحمّلة بصراعات متراكمة لم تُحل، بل جرى ترحيلها من مرحلة إلى أخرى. والسياسة العراقية اليوم لا تُدار بوصفها فن الممكن، بل كمساحة مغلقة على الشكوك والانقسامات. غير متفقة في الرؤية والقرار، ومتقاطعة في المصالح، والخلافات البنيوية أوسع بكثير من مساحات التفاهم. ويغيب التفكير المرحلي القادر على تحويل الانتقال من زمن الحرب إلى زمن الدولة إلى مسار منضبط وواضح. هكذا يصبح أي خطاب، مهما كان مقصده محدوداً، شرارةً لجدل أكبر، لا لأنه عميق في ذاته، بل لأن الساحة السياسية عاجزة عن استيعابه ضمن إطار عقلاني جامع.
في مثل هذا المناخ، تتحول الكلمات إلى ألغام. وتُقرأ التغريدات تهديداً، والتصريحات نوايا انقلاب، والخطابات القانونية مشاريع صدام. لا لأن القائل يريد ذلك بالضرورة، بل لأن الساحة نفسها فقدت القدرة على الفصل بين الرمزي والعملي، بين القانوني والسياسي، وبين المبدأ والآلية.
*من السلاح إلى الدولة*
حين يقول رئيس مجلس القضاء الأعلى إن “التحديات الجديدة تتطلب سلاحاً من نوع آخر، القانون، والعدالة، والتنمية”، فهو يلامس الحقيقة من حيث المبدأ. لكن السؤال الاستراتيجي هو:
كيف يُنزع السلاح في نظام لم يكتمل؟ وكيف يُحصر القرار في دولة لم تُحسم بعد مراكز القرار فيها؟ وكيف يُطلب من فاعلين نشأوا في الفراغ الأمني أن يثقوا بمؤسسات ما زالت نفسها موضع نزاع؟
الانتقال من زمن الحرب إلى زمن الدولة ليس قراراً خطابياً، بل مساراً معقداً، يحتاج إلى توافق سياسي عميق، وضمانات، ورؤية مرحلية، لا إلى إعلان نهاية المعركة وكأنها صفحة أُغلقت.
*المحصلة* : خطاب القاضي الدكتور فائق زيدان لا يمكن قراءته بوصفه موقفاً قضائياً معزولاً، بل بوصفه تعبيراً مكثفاً عن عقل الدولة كما تتمنى أن ترى نفسها، دولة قانون، مركز قرار واحد، وسلاح منضبط داخل الإطار الرسمي. غير أنّ هذا الخطاب، بقدر ما يعكس طموح الدولة، يفضح في الوقت نفسه هشاشتها الواقعية؛ هشاشة كيانٍ لم يستكمل بعد شروط الانتقال من منطق الحرب إلى منطق السلم.
المفارقة أنّ المسافة بين الرغبة والواقع في العراق ليست تقنية ولا إجرائية، بل سياسية بامتياز. فالنوايا تُقال، والقوانين تُصاغ، لكن السياسة تعجز عن تحويلها إلى مسارات عملية، وعن الارتقاء بالقانون من نصّ مُجرّد إلى مشروع جامع قادر على احتواء التناقضات وإدارة التعدد بدل قمعه. وهنا تحديداً تتجلّى الأزمة.
لذلك، لم تكن تلك الكلمة مجرّد خطاب عابر في مناسبة رسمية، بل مرآة لخلل أعمق في بنية الدولة العراقية، دولة تريد أن تطوي صفحة الحرب، لكنها لم تُنجز بعد تسويتها السياسية. وتطمح إلى السلم، من دون أن تحسم الأسئلة الثقيلة التي خلّفتها سنوات السلاح والانقسام. بين ما يُراد للدولة أن تكونه، وما هي عليه فعلياً، يستمر التعثّر، وتبقى الانتقالات الكبرى معلّقة عند حدود الخطاب.


