رسالة مكررة الى ايران ؛ حين تُمهَّد الحروب بالكلمات قبل الصواريخ

رسالة مكررة الى ايران ؛ حين تُمهَّد الحروب بالكلمات قبل الصواريخ
يفكك المقال دور الإعلام العبري في تمهيد الحروب عبر صناعة السرديات، مبرزاً ثلاثية التهديد والتهدئة وتحميل إيران مسؤولية البدء، مقابل خطاب إيراني دفاعي ثابت. ويخلص إلى أن معركة الرواية تسبق أي صدام عسكري وتحدد شرعيته الدولية في الوعي العالمي المعاصر....

قبل اندلاع حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل، لم يكن الإعلام العبري مجرّد ناقل للأحداث، بل كان فاعلاً أساسياً في صناعة المناخ النفسي والسياسي للحرب. آنذاك، تحرّك الخطاب الإعلامي الإسرائيلي في اتجاهين متوازيين: الأول تصعيدي، يلوّح بضرب إيران ويغذّي مناخ التهديد والردع، والثاني تهدوي، يبعث برسائل تطمين إلى طهران مفادها أن لا نية لخوض حرب شاملة.

اليوم، يعود هذا المشهد إلى الواجهة، لكن بصيغة أكثر تعقيداً وخطورة. فالإعلام العبري يعيد إنتاج الخطابين نفسيهما تهديد ووعيد من جهة، وطمأنة من جهة أخرى، غالباً عبر وسطاء دوليين مثل روسيا، تحمل رسائل تؤكد عدم وجود نية إسرائيلية للحرب.

غير أن الجديد هذه المرة هو بروز اتجاه ثالث، بات أكثر حضوراً وتأثيراً، يقوم على الترويج المكثف لفكرة أن إيران هي من ستبدأ الحرب.

هذا الاتجاه لا يكتفي بقراءة احتمالات الصدام، بل يعمل على بناء سردية سياسية وإعلامية تمهّد لتحميل طهران مسؤولية أي مواجهة مقبلة.

وهو جهد منظم يهدف إلى دفع إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نحو إطلاق الشرارة الأولى، بما يمنح إسرائيل وحلفاءها غطاءً سياسياً وأخلاقياً لتوسيع نطاق الصراع وتبرير نتائجه.

المفارقة أن خطاب التهدئة الذي يُسوَّق خارجياً يتناقض بشكل صارخ مع خطاب التعبئة الداخلية داخل إسرائيل، حيث تستمر التحذيرات، وتسريبات “الجاهزية”، والحديث عن سيناريوهات الضربة الوقائية. هذا التناقض لا يعكس ارتباكاً بقدر ما يعكس إدارة محسوبة للصراع على مستوى الرواية، في محاولة للسيطرة المسبقة على تفسير الأحداث قبل وقوعها.

في المقابل، يبدو الخطاب الإيراني أكثر ثباتاً ووضوحاً، سواء قبل الحرب السابقة أو في المرحلة الراهنة. فطهران تكرر موقفاً واحداً وهو لا رغبة في الحرب، لكن الرد سيكون قوياً ومؤلماً إذا فُرضت المواجهة. وهو خطاب دفاعي بالأساس، يضع خطوطاً حمراء واضحة دون أن يتبنّى مبادرة هجومية أو يسعى إلى إشعال الصدام.

من هنا، يمكن القول إن المعركة المقبلة – إن وقعت – لن تبدأ من الميدان العسكري، بل من الفضاء الإعلامي. فالسردية التي تُصاغ اليوم، ومن يُقدَّم بوصفه “البادئ”، ستحدد مسار المواقف الدولية، وحدود التعاطف، وسقف الشرعية السياسية لأي عمل عسكري.

إنها حرب الرواية قبل حرب الصواريخ، حيث تُطلق الطلقة الأولى على شاشات التلفزة وعناوين الصحف، قبل أن تُطلق في سماء المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *