في عالم اليوم، قد تطلق السياسة شرارة الأحداث لكن الاقتصاد هو من يحدد إلى أين تصل النيران.
يُثار دائمًا سؤال قديم متجدد: من يقود الآخر السياسة أم الاقتصاد؟
هذا السؤال يفترض وجود منتصر وخاسر بينما الحقيقة أن كلاهما يشكلان منظومة واحدة لا يمكن أن تعمل إذا انفصل أحدهما عن الآخر. فالسياسة تحدد الأهداف الوطنية وترسم التحالفات وتتخذ قرارات الحرب والسلام أما الاقتصاد فهو الذي يوفر الموارد ويقيس قدرة الدولة على تنفيذ تلك القرارات.
ولعل المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى قدمت مثالًا واضحًا على هذا الترابط فظاهر العمليات العسكرية قرارات سياسية وأمنية لكن خلفها كانت هناك حسابات اقتصادية دقيقة تتعلق بأسواق الطاقة والعقوبات والتجارة والقدرة على تحمل كلفة الصراع. فالقرار السياسي لا يعيش بمعزل عن الإمكانات الاقتصادية كما أن الاقتصاد لا يتحرك خارج إطار الرؤية السياسية.
ومن هنا تبرز الحكمة التي تختصر العلاقة بينهما: “السياسة تحدد قواعد اللعبة، والاقتصاد يحدد إمكانات اللعب.”
فلا سياسة ناجحة من دون رؤية اقتصادية تمنحها القوة والاستدامة ولا اقتصاد مزدهر من دون قيادة سياسية تمتلك رؤية استراتيجية ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة حيث تتجه العلاقات الدولية اليوم بصورة متزايدة نحو بناء الشراكات الاقتصادية بوصفها أداة لتحقيق الاستقرار والمصالح المشتركة. ويمكن النظر إلى زيارة السيد الزيدي إلى الولايات المتحدة برفقة وفد كبير اقتصادي للحديث عن توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بوصفها مثالًا على توجه العراق إلى تعزيز البعد الاقتصادي في علاقاته الثنائية إلى جانب الجوانب السياسية والأمنية. فالدول تدرك أن المصالح الاقتصادية المستدامة تمنح العلاقات قوة واستمرار.
ولم يعد الاقتصاد في البيئة الدولية المعاصرة مجرد أداة لتمويل القرار السياسي، بل تحول إلى المصدر الحقيقي للقوة والنفوذ، إذ باتت قدرة الدول على التحكم بالتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والطاقة، ورؤوس الأموال، هي التي تحدد وزنها الاستراتيجي أكثر من المؤشرات الاقتصادية التقليدية. ومن ينجح في توظيف هذه الأدوات ضمن رؤية سياسية متماسكة يعيد تشكيل موازين القوى ويعزز مكانته في النظام الدولي، وهو ما جعل الاقتصاد اليوم أحد أهم أدوات الردع والتأثير. كما أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي أعاد تعريف عناصر القوة، فلم تعد الثروة تُقاس بالموارد الطبيعية وحدها، بل بامتلاك المعرفة والابتكار والقدرة على إنتاج التقنيات المتقدمة. لذلك لم يعد السباق العالمي يدور حول من يمتلك الموارد أكثر، وإنما حول من يحسن توظيفها ضمن استراتيجية وطنية تحقق النمو المستدام وتعزز النفوذ الجيوسياسي.
فالدول اليوم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات أو جيوش فحسب بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين القرار السياسي والقدرة الاقتصادية وعندما يلتقي الفكر السياسي الرشيد مع الاقتصاد المنتج تتحول الأزمات إلى فرص وتصبح الدولة أكثر قدرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها.


