الشيعي يتنفس “الحزن”

الشيعي يتنفس الحزن
يقدّم النص قراءة وجدانية للحزن في الوعي الشيعي، رابطاً إياه بمحبة أهل البيت، ومأساة كربلاء، والتطهير النفسي، ورقة الروح، والتكافل الاجتماعي، مؤكداً أن الدمعة الواعية يمكن أن تتحول إلى موقف أخلاقي يرفض الظلم ويحفظ القيم...

الحزن بذاته ليس غاية أو هدفاً يسعى له الإنسان! بل هو حالة تعبيرية وتركيب جوانحي تضرب الظروف على وتر النغم بحالة معينة، ويأتي الجواب بالميل والذهاب بالروح والوجدان نحو مرفأ الحزن؛ كيمياء تفاعلية تشترك فيها كل مدركات الإنسان من الآماق إلى الوجع والجزع في بعض الأحيان.

والسؤال: لماذا أصبح ‘الحزن’ سمة للإنسان الشيعي؟! وصار يذرف الدموع على أقل المواقف والحوادث وتفيض روحه شجناً وألماً، لدرجة تراه في الرثاء يمطر دموعاً، وفي الحِداء والإنشاد والعتابة والنوح والحنين وفي حالة الفقد والفراق والوداع ينصهر له القلب ويذوب..

والتوقف أمام ظاهرة “الحزن” الرقيق، والدمعة الحاضرة، والعاطفة الجياشة عند الإنسان الشيعي والموالي لأهل البيت (عليهم السلام)، يقودنا إلى قراءة عميقة تتجاوز حدود الطقس العابر، لتلامس بنية الوجدان، وفلسفة الوجود، وطبيعة العقيدة نفسها.

ويمكن إيجاز أسباب هذه الطبيعة الوجدانية الفريدة في عدة أبعاد جوهرية:

أولاً: الأبعاد العقائدية والارتباط الرسالي، حيث يتخذ الشيعي “الولاية” كعلاقة حب والتزام وارتباط بأهل البيت (عليهم السلام) لا يُبنى على أساس مادي أو سياسي مجرد، بل ينطلق من آية المودة في القربى ( أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَـٰلَمِینَ ) الأنعام ٩٠ . هذا الحب العقائدي يتحول إلى شغف قلبي عميق يجعل المحب يتأثر تفصيلياً بكل ما مسّ معشوقه من آلام ومحن.

ثانياً: مأساة كربلاء كحدث مؤسس ولبنة أولى، حيث تمثل واقعة الطف وما رافقها من مظلومية وفجيعة نقطة “الارتكاز الكبرى” في الوعي الشيعي. استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ونخبة من أهل بيته وأصحابه بهذه القسوة، مع ثباتهم البطولي، ولد شعوراً مستداماً بالتعاطف والوفاء، بل ويجعل “الدمعة” وسيلة إنسانية حية لإبقاء تلك القيم حية في الضمير الجمعي.

ثالثاً: البعد النفسي والتطهير الروحي، يعيش الإنسان المؤمن عبر العصور تحديات وظلماً واغتراباً روحياً في مواجهة قوى الظلم والباطل. وتتيح المجالس الحسينية والطقوس العزائية مساحة آمنة لتفريغ الشحنات الوجدانية، والبكاء الصادق الذي يغسل النفس من أدران الدنيا، ويحقق نوعاً من السلام الداخلي والتوازن النفسي، وعن تجربة؛ بعد المجلس والدعاء وكم ذرف الدموع يشعر الفرد بأن إثقالاً أُنزلت من على ظهره.

رابعاً: رقة الروح وانكسارها، فما يمثل البكاء على الحسين (عليه السلام) أو دمعة الموالاة ليس انكسار ضعف، بل هو انعكاس “لرقة الروح” ونقاء الفطرة. إنها تعبير عن إنسان يمتلك قلباً حياً يستجيب للحق والفضيلة، ويهتز وجداناً لألم المظلومين في كل مكان وزمان.

خامساً: البعد الاجتماعي والأخلاقي والتربوي، فنحن أكثر الشعوب نتضامن مع المظلوم لما نعرفه عن الظلم المرافق لنا على طول خط الوجود والجهاد، حتى تحولت العاطفة الجياشة والحزن الرسالي إلى مدرسة أخلاقية تربي الأجيال على رفض الظلم، والوقوف إلى جانب المستضعفين. فالدمعة هنا تتحول من مجرد شعور فردي إلى موقف واعي يرفض الباطل.

سادساً: الترابط المجتمعي أو الروابط الوجدانية، الأتراح والأفراح المشتركة، وخاصة إحياء الشعائر في محبي أهل البيت، تخلق نسيجاً اجتماعياً مترابطاً ومتراصاً، حيث يشعر الفرد أنه جزء من عائلة روحية كبرى تتشارك ذات الآلام والآمال، مما يغذي التعاطف والشعور العالي بالمسؤولية تجاه الآخرين.

ومن هنا نرى ضرورة حضور أطفالنا في مسرح الإعداد العاطفي الذي تسلم فيه راية الدموع جيلا بعد جيل لأننا نعتبر حزن الموالي ورقَّة روحه ليسا ضعفاً ولا تشاؤماً، بل هما “حزن واعٍ” ومقاوم؛ حزن يحيي الضمائر، ويصون الإنسانية من القسوة والتحجر، ويبقي جذوة الارتباط بالمُثُل العليا وقادة الحق (عليهم السلام) مشتعلة في صميم الوجدان.

“البصيرة هي ان لا تصبح سهمًا بيد قاتل الحسين  يُسَدَّد على دولة الفقيه”

مقال آخر دمتم بنصر قادم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *