ننبه القارئ الكريم الى اننا بصدد مقالة موجزة نرجو أن تنفع المختصين والمهتمين بالموضوع، لذلك سنكتفي بالإشارة الى المصادر، كتاب ومفكرين.
بداية ولتفادي المتاهة الحاصلة، نوضح بأن تعريف الدولة بعناصرها، الشعب والاقليم والحكومة والسيادة، لا يكفي للتعرف على خصوصية الدولة الحديثة ولا يساعد على فهم الفوارق الكبيرة بين الدول. كمثال، تتوفر حالياً هذه العناصر الأربعة في مختلف الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، بينما يتربع على مجلس أمنها خمسة أعضاء دائمين فقط يملكون حق النقض دون غيرهم، ثم من بين الخمسة، ثلاث دول غربية سيطرت اثنتان منهما (بريطانيا وفرنسا) على شعوب العالم ونهبت ثرواتها، خلال القرن التاسع عشر بالخصوص والى الحرب العالمية الثانية، والثالثة (الولايات المتحدة) تزعمت العالم الغربي بعدها وتنفرد اليوم باستخدام القوة المباشرة، أو التهديد بها، ضد بلدان تريد السيطرة على ثرواتها علناً، وكأنها تقول جاء دوري الآن (لاستعمار العالم).
ونلاحظ ان الدول الثلاث تمثل نماذج أساسية للدولة الحديثة، وتميزت بقدرتها، بدرجات مختلفة، على تطويع ودمج مجتمعها في ماكنتها السياسية والإدارية، باستخدام العنف وما يسمى بالقوة الناعمة. علماً بأن الدول الأوربية الحديثة، مثل إنكلترا وفرنسا واسبانيا وألمانيا، كانت قد أسست النظام الدولي فيما بينها، بالتوقيع على اتفاقية ويستفاليا سنة 1648، ثم فرضته على بقية البلدان، ضمن سيطرتها تدريجياً على العالم.
سنحاول فيما يلي اذن تشخيص نموذج الدولة الحديثة التي نشأت في أوربا الغربية، للتعرف على سرّ تفوق هذه الدول، عسكرياً وتنظيمياً وعلمياً، على العالم بأسره.
يمكن ذكر أهم خصائص الدولة الحديثة كما تبلورت في بريطانيا وفرنسا خلال العصر الحديث، كالتالي:
- سياسياً، تبلور نظام سياسي قائم على حكم الشعب من قبل ممثليه المُنتخبين، بعيداً عن الديمقراطية المباشرة التي يحكم فيها الشعب نفسَه بنفسه مباشرة، طبقاً لتعريف الديمقراطية: حكم الشعب من قبل الشعب ومن أجل الشعب. أما الديمقراطية التمثيلية، مبدأ انتخاب الشعب لممثليه، فقد تبنتها النخب السياسية والاقتصادية المسيطرة، للتمكن من التأثير على نواب الشعب لتلبية مصالح الكبار، كنتيجة لتجريد الشعب من حق حكم نفسه (جون جاك روسو)، والا كيف نفهم انحياز دول ديمقراطية عريقة لخيار الحرب على شعوب أخرى ونهب ثرواتها. هي اذن نسخة معدلة للديمقراطية انتجتها أوضاع بلدان أوربا الغربية في لحظة معينة من تأريخها، ثم وفي سياق “المدّ الاستعماري”، انتقلت الى بلدان استوطنها الغربيون في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
- اقتصادياً، تطور نظام رأسمالي قائم على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج مع تضخم تدريجي لفئات اقتصادية أمسكت بثروات البلد، بدء بالمصانع والمصارف وشركات التأمين الى وسائل الاعلام وغيرها من المصالح الكبرى، وتمكنت من ممارسة تأثيرها الحاسم على النظام السياسي.
- تدير هذه الدولة حكومة، أو سلطة عامة، تتمتع بحق استخدام العنف في إطار القانون الذي يسنّه نواب الشعب، ويخضع فيها الأفراد لقواعد القانون في المجالات المختلفة، مع أجهزة شرطة وقضاء مستفل، إضافة الى مؤسسات حديثة أو تم تحديثها، كالمستشفيات ومنها المختصة بالأمراض العقلية ومصلحة السجون (ميشيل فوكو). اقترن ذلك بتحقّق سيطرة صارمة للدولة تمثّلت بقمع المضربين والرافضين لظاهرة “تعَملق الدولة” على حساب المحكومين، استناداً الى قوانين يسنها مجلس النواب وجهاز قضائي قائم على تطبيقها في الحالات المختلفة وسلطة حكومية تومّن تنفيذ العقوبات الصادرة وإدارة السجون وغير ذلك من إجراءات. تم هذا التطور خصوصاً خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، أي مع تحقّق الثورة الصناعية وتبعاتها.
- الإدارة العامة: وهي جهاز تابع للحكومة لم يعرفه العالم من قَبل (ماكس فيبر)، يؤدي مهمة ربط المواطنين بالدولة، خصوصاً من خلال إلزامهم بالحصول على وثائق رسمية غير مسبوقة. تتميز هذه الادارة أساساً بثلاث مواصفات: 1/ الهرمية، أو التسلسل الإداري. 2/ اتباع عقلانية قائمة على تنفيذ قواعد وإجراءات قانونية محددة سلفاً، وليست اعتباطية أو مزاجية من حيث المبدأ على الأقل. 3/ تعيين العاملين فيها (أي الموظفين) على أساس الكفاءة الموثقة بشهادات معينة أو التوظيف عن طريق المسابقات الإدارية، أو الاثنين معاً.
- تحول الأفراد الى مواطنين منتمين “بالقوة والفعل”، كما يقال، اذ يعيشون داخل حدود بلدانهم التي تم ترسيمها وتحصيانها لمنع اجتيازها الا بإبراز وثائق خاصة بالسفر. مع إلزام الأفراد بتسجيل حالات الزواج والطلاق والولادة في السجلات الرسمية في دوائر الدولة.
- الخدمة الوطنية: فرضت الدولة خدمة عسكرية اعتبرت من واجبات المواطنة.
- التعليم الاجباري: حيث يُجبر الأطفال على ارتياد المدارس الرسمية، اعتباراً من سنّ معينة، للقضاء على الأمية مبدئياً ولكن أيضاً لإعادة إنتاج مواطنين “صالحين” يحملون ثقافة مشتركة.
- قوة حربية غير مسبوقة: بالاستفادة من التقدم العلمي والتقني، تمكنت هذه الدول من امتلاك قوة عسكرية غير مسبوقة، بدء من الأسلحة النارية الفردية والمدافع، مع اكتشاف البارود، الى القنابل النووية عبوراً بالدبابات والطائرات الحربية.
- بفعل كل ما تقدم وفي سياق تطور تاريخي متميز، حصل اندماج تدريجي لمجتمعات المناطق المختلفة في إطار سلطة مركزية بفعل القوة أساساً، كالمدافع ضد قلاع الاقطاع، أو اطلاق النار على المتمردين، بدء بإنكلترا وفرنسا، أول نماذج الدولة الحديثة في العالم.
- سميت هذه الدولة بالدولة/الأمة لاقتران تشكّلها بفرض ثقافة مشتركة ولغة مشتركة تدريجياً على عموم البلد. ونذكّر هنا بتمرد اسكتلندا وإيرلندا والذي دفع الى الاتفاق على صيغة الحكم الذاتي، لا الفيدرالي، لإسكتلندا وايرلندا الشمالية، بعد ثورة ايرلندا الجنوبية واستقلالها، عشرينات القرن الماضي. أما فرنسا فقد شهدت تشكّل دولتها الحديثة في ظل سلطة مركزية قمعت اللغات والخصوصيات المحلية، بريتون وأوكسيتان وباسك وغيرها، وفرضت استخدام الفرنسية لخلق شخصية مشتركة، كما هو معروف.
- البعد الزمني: كما في بقية الظواهر السياسية والاجتماعية، شكل دوام اندماج المجتمع في دولته عبر الزمن بعداً أساسياً في ترسّخ بنيان الدولة وفي مدى تأثيرها على الساحة الدولية في إطار منافسة شرسة بين الدول الاستعمارية نفسها، حيث بدأت الحركة الاستعمارية أواخر القرن الخامس عشر، لكنها تبلورت بزعامة إنكلترا وفرنسا، خلال القرن التاسع عشر، نسبة الى بقية الدول الغربية، مثل البرتغال واسبانيا وهولندا وألمانيا.
- تنطبق هذه الأمور بشكل عام على النموذج الأمريكي، مع الفارق الكبير في طبيعة سيطرة النخب السياسية والاقتصادية، لكون الشعب الذي تجمع تدريجياً في الولايات المتحدة تألف من المهاجرين الفقراء والمحتاجين للعمل وقد يطردون منه لأبسط الأسباب، بينما نشأت الدولة الحديثة والرأسمالية في أوربا الغربية بين شعوب تسكن أرضها وأرض أجدادها قاومت بقوة تطور النظام الرأسمالي على حساب مصالحها في تحقيق حياة كريمة وموارد مقبولة، لذلك لا يمكن مقارنة صعوبات الدولة الحديثة في أوربا الغربية ونخبها الحاكمة بما يقابلها في الولايات المتحدة.
المفهوم: يمكن تلخيص مفهوم الدولة الحديثة اذن بأنها جهاز يدير المجتمع على إقليم محدد، من خلال مؤسسات معقدة ومتشابكة، يتمتع باحتكار استخدام القوة لإنفاذ القانون وفرض سيادته على عموم الإقليم. بهذا الوضع السيادي الداخلي اكتسبت هذه الدولة شرعيتها بين الدول واحتلت مكانتها على الساحة الدولية. وقد شهدت انكلترا وفرنسا ولادة أوائل نماذج الدولة الحديثة، مع التفوق العسكري والتماسك الاجتماعي. وقد حصل ذلك بفعل وسائل مختلفة وتوازنات دقيقة، اعتمدت القوتَين الناعمة والخشنة على السواء، مكنت الفئات المسيطرة على الدولة من ترسيخ سيطرتها على المجتمع، خلال ثلاثة قرون من الصراعات الدموية في العديد من الأحيان. نشأت إثرها الدولة في وضع قريب الى تصور المفكر الإنكليزي توماس هوبز لها في عقده الاجتماعي، اذ وصف الدولة بالوحش الكاسر ليفايثن Leviathan، وهي مفردة اقتبسها من الكتاب المقدس (العهد القديم)، للإشارة الى كونها أشبه بكائن هائل لا يمكن ايقافه.
خاتمة: استناداً الى التطورات آنفة الذكر ومع تبلور التقنيات الرقمية بالخصوص، ربما يمكننا الكلام عن تحول الدولة الحديثة من حالة ” الوحش” الى ما يشبه وضع “الأخطبوط”، وذلك لتشابك أجهزتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والأمنية والاستخباراتية وإحاطتها بالمحكومين، إضافة الى سيطرة نظام اقتصادي مُحكم يربط أرزاقهم بالانصياع لنظام عمل صارم لم تعرفه البشرية سابقاً (كارل ماركس). كما نلاحظ ان هذه الدول تمكنت من تحقيق تراكم في تفوقها العلمي والتكنولوجي سمح ببسط سيطرتها على مختلف مرافق الحياة بشكل غير مسبوق في تاريخ الدول. ولتوضيح الطفرة الهائلة، تفيدنا المقارنة بالدول القديمة الأبوية الطابع (ماكس فيبر)، كالمَلكيات الأوربية التي تعايشت مع قوة الإقطاع والكنيسة، اذ لم تعرف مثل هذه السيطرة على الإطلاق. أما الامبراطوريات الآسيوية استبدادية الطابع، كالدولة العثمانية والصين واليابان، فقد أظهر سقوطها، أمام القوى الاستعمارية الغربية، مدى الانفصال بينها وبين مجتمعاتها رغم الروابط الثقافية والروحية بين الطرفين.
وأخيراً، رغم قناعتنا بصعوبة تعديل وضع الدول في عالمنا الحالي، نأمل أن تساهم هذه السطور في اثارة النقاش حول الدولة الحديثة وضرورة إصلاحها نحو قدرٍ أكبر من الانسجام مع قيمنا وحاجاتنا وظروفنا، بعيداً عن التصاميم الجاهزة والوصفات المستوردة.


