لا يمكن النظر إلى الاجتماعات المطوّلة التي عقدها بنيامين نتنياهو مع قادة المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، ولا إلى المناورات الإيرانية المفاجئة، ولا إلى التصريحات الإعلامية المتصاعدة، ولا حتى إلى زيارة نتنياهو لواشنطن ولقائه دونالد ترامب، بوصفها وقائع متفرقة أو ردود أفعال آنية. ما يجري هو مشهد متكامل لمرحلة متقدمة من إدارة الصراع، عنوانها الأبرز: الانتقال من الردع الكلامي إلى اختبار عتبة الفعل العسكري.
خمسة ساعات من الاجتماع المغلق في تل أبيب، بما حمله من تحديد توقيت محتمل، ووضع سيناريوهات، بل وتسريب اسم لعملية عسكرية مفترضة، يشير إلى أن إسرائيل تجاوزت مرحلة “هل نضرب أم لا؟” إلى مرحلة “كيف ومتى وبأي كلفة؟”.
في العقيدة الإسرائيلية، لا تُعقد مثل هذه الاجتماعات إلا عندما تشعر القيادة بأن ميزان الوقت لا يعمل لصالحها، وأن التهديد الذي تتحدث عنه – سواء كان نووياً أو صاروخياً أو إقليمياً – يقترب من مستوى لا يمكن احتواؤه بالوسائل السياسية وحدها.
في المقابل، لم تأتِ المناورات الإيرانية الواسعة والمفاجئة خارج هذا السياق. فاختبار أنظمة الدفاع الجوي، وإطلاق صواريخ باليستية دخلت الخدمة حديثاً، ليس استعراض قوة موجهاً للداخل الإيراني فحسب، بل رسالة ردع مباشرة مفادها أن أي ضربة لن تمرّ دون رد، وأن مسرح العمليات لن يكون أحادي الاتجاه.
إيران، التي تتقن إدارة الصراع الطويل، لا تبحث عن الضربة الأولى، لكنها تسعى إلى رفع كلفة هذه الضربة إلى مستوى يجعل قرار البدء عبئاً سياسياً وعسكرياً على الطرف الآخر.
اللافت في هذا المشهد ليس فقط الاستعداد العسكري، بل التكامل بين الفعل العسكري والخطاب الإعلامي. التصريحات الإسرائيلية المتكررة عن “الخطر الوجودي”، والتلميحات الأمريكية الداعمة لحق إسرائيل في “الدفاع عن نفسها”، تقابلها تصريحات إيرانية تتحدث عن الجاهزية والرد الحاسم. الإعلام هنا لا ينقل الوقائع بقدر ما يشارك في صناعتها، عبر تهيئة الرأي العام الداخلي، وبناء سردية تبرر أي تصعيد قادم، وتحميل الطرف الآخر مسؤولية الانفجار المحتمل.
أما زيارة نتنياهو إلى واشنطن ولقاؤه ترامب، فتشكّل حلقة مفصلية في هذا السياق.
فنتنياهو لا يبحث فقط عن دعم لفظي، بل عن شرعنة سياسية مسبقة لأي عمل عسكري ضد إيران. إعادة تسليط الضوء على “ضرورة ضرب إيران” وتلقي إشارات تأييد من شخصية بحجم ترامب، حتى وهو خارج البيت الأبيض، يهدف إلى أمرين: أولًا، طمأنة الداخل الإسرائيلي بأن الغطاء الأمريكي – أو جزءاً منه – ما زال قائماً، وثانياً، توجيه رسالة إلى طهران بأن أي مواجهة لن تكون مع إسرائيل وحدها، بل ضمن معادلة أوسع تشمل واشنطن بشكل مباشر أو غير مباشر.
ومع ذلك، فإن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن الطرفين يتحركان على حافة الهاوية دون رغبة حقيقية في السقوط الكامل فيها. إسرائيل تدرك أن ضربة مباشرة لإيران قد تفتح جبهات متعددة وتضع الجبهة الداخلية تحت ضغط غير مسبوق، وإيران تدرك أن حرباً شاملة قد تستنزف مقدراتها وتستدعي تدخلاً دولياً أوسع. لذلك، نحن أمام حالة توازن رعب متحرك، حيث يرفع كل طرف سقف التهديد ليمنع الطرف الآخر من رفعه أكثر.
الخلاصة أن ما نشهده اليوم ليس إعلان حرب بقدر ما هو إدارة دقيقة للحظة ما قبل الحرب.
كل اجتماع، وكل مناورة، وكل تصريح، وكل زيارة سياسية، هي أدوات ضغط متبادلة في صراع الإرادات. غير أن خطورة هذه المرحلة تكمن في أن أي خطأ في الحسابات، أو أي قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر، قد يحوّل هذا الاستعداد المدروس إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم بمساراتها أو نهاياتها.
في هذا السياق، تبقى الحقيقة الأهم أن المنطقة بأكملها لا تعيش سؤال “هل ستقع المواجهة؟” بقدر ما تعيش سؤال “كيف ستبدأ، ومن سيدفع الثمن الأكبر عندما تبدأ؟”.


