قادة النصر.. عندما تتحول الدماء إلى أحرف في سفر الخلود

قادة النصر.. عندما تتحول الدماء إلى أحرف في سفر الخلود
يرثي النص الشهيدين أبو مهدي المهندس و**قاسم سليماني** بوصفهما قادة ميدان ورمزين للنصر، ويؤكد أن تضحيتهما حوّلت الغياب إلى حضور دائم في الذاكرة الجماعية، مُلهِمًا للأجيال واستمرارًا لمسار التحرير....

الى الشهيدين ابو مهدي  وقاسم سليماني  بناة النصر :

لم يكونوا مجرد رتب على أكتاف، ولا أسماء في تقارير عسكرية.. كانوا: نبضاً يدق في شرايين المعركة, كتلك القلوب التي خططت بحكمة الحكماء، لكنها تقدَّمت بجرأة نحو العِدى. كانوا أول من يَصدُر الأوامر، وآخر من يغادر ساحة الوغى. جذوة في ليل الإرهاب الطويل, ما أقسى أن تكون شمعة تُضيء للآخرين طريق الخلاص، بينما تذوب هي في صمت. هكذا كانوا – رحمهم الله – يصنعون النصر بيد، ويودعون الحياة بالأخرى. جسراً من لحم وعظم نحو الحرية. عبرت عليه أمتنا من ذل الاستعباد إلى كرامة التحرير. جسرٌ انسحب من تحت أقدامنا ليصعد إلى السماء، تاركاً لنا ذكرى، وله شهادة.

لقد صعدت أرواحهم إلى علياء الخلود، لكنها تحوَّلت إلى رايات ترفرف في سماء كل مدينة حرروها. كل نسمة هواء في الموصل وتكريم والرمادي تحمل همساً من همساتهم الأخيرة: “أتموا الطريق”. تجلَّتْ في عيون الأطفال الذين عادوا إلى مدارسهم بعد أن كان الخوف منهجهم والرصاص زملاءهم. في ضحكة كل طفل عراقي يعود إلى بيته الآمن، هناك بصمة من بصماتهم. استقرت في حكمة الأرض التي قبلت أجسادهم الطاهرة، لتعطي وطننا قوة جديدة، كالشجرة التي تُخصب بذبيحة.

ما أقسى أن تخسر المعركة قائدها في ذروة اندلاعها! لكنهم علمونا أن القيادة الحقيقية: ليست في خلف الخطوط، بل في مقدمة الركب. حيث يختلط هدير الأوامر بصوت الرصاص، وتذوب الفوارق بين القائد والجندي في بوتقة الهدف الواحد. أن الموت ليس نهاية بل هو انتقال من ساحة المعركة الضيقة إلى فضاء الذكرى الأرحب. من قيادة جيش إلى قيادة أمة في مخيالها الجماعي. أن الدماء الطاهرة لا تُسكب عبثاً، بل هي أحرف تكتب بها الأمم سيرتها العتيدة. كل قطرة دم كانت حرفاً في سفر التضحيات.

عندما يصبح الغياب حضوراً أبدياً

ذهبوا.. ليس كمن يغيب في الظلام، بل كمن يغيب في الشمس. صعدت أرواحهم عالياً لتكون شمساً تشرق على عراقٍ نصر أن يكون حراً. سقطوا جسداً، لكنهم نهضوا فكرة.. ماتوا أفراداً، لكنهم عاشوا أساطير.. انتهت حياتهم، لكنها بدأت قصة. اليوم، كل حبة قمح تنمو في أرض العراق التي رووها بدمائهم، كلٌّ منها تحمل اسم أحدهم. كل طفل يلعب في شارع آمن، هو نصب تذكاري يمشي على قدمين. كل أذان يرفع من مئذنة أعيد بناؤها، هو ترتيل لروح من أرواحهم. لقد حرروا الأرض بسلاحهم، وحرروا الأرواح بتضحيتهم.

اللهم تقبل الشهيدين في أعلى عليين، وألحقنا بهم على الإيمان، واجعل أرض العراق حارسة لذكراهم، واجعل مستقبله أجمل تعزية لأبنائهم. وأكتب للعراق وأهله السلام والأمان بعد هذا الجهاد.

هم رحلوا.. لكن النصر الذي صنعوه باقٍ.

هم سقطوا.. لكن العلم الذي رفعوه مرفوع.

هم صمتوا.. لكن قصتهم ستبقى تروى..

من جيل.. إلى جيل..

من تاريخ.. إلى أبد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *