نادراً ما تُطرح الأسئلة الكبرى في لحظات الطمأنينة والاستقرار؛ فالتاريخ الفكري للبشرية يُظهر أن القلق، والصدمة، والانكسار الأخلاقي، كانت دائماً المحرّك الخفي لأعمق التحولات الفكرية. فحين تختل العلاقة بين الإنسان والعالم، أو بين الفرد والمجتمع، لا يعود السؤال ترفاً معرفياً، بل يتحول إلى ضرورة وجودية. عند هذه العتبة، يصبح التفلسف شكلاً من أشكال المقاومة، ومحاولةً لاستعادة المعنى وسط الفوضى.
من هذا المنظور، لا يبدو سؤال الأخلاق سؤالاً نظرياً معزولاً، بل مرآةً تعكس طبيعة اللحظة التاريخية التي يُطرح فيها. فكما كان سؤال أكاديمية ديجون في القرن الثامن عشر تعبيراً عن قلق أوروبا من ثمن التقدم، يمكن النظر إلى سؤال الفساد في العراق اليوم بوصفه تعبيراً عن قلق مجتمع يعيش انفصالاً حاداً بين القيم المعلنة والممارسات الواقعية. بين هذين السؤالين، تتكشف مسافة زمنية شاسعة، لكنهما يشتركان في جوهر واحد: البحث عن الإنسان، لا بوصفه كائناً تقنياً أو سياسياً فحسب، بل بوصفه كائناً أخلاقياً.
ينطلق هذا المقال من مقارنة تأملية بين لحظة روسو ولحظتنا، لا بقصد إسقاط التجربة الأوروبية على الواقع العراقي، بل بقصد مساءلة طريقة تفكيرنا في أزمتنا الأخلاقية المعاصرة. فهل نملك اليوم الشجاعة لتحويل الفساد من واقعة يومية مُحبِطة إلى سؤال فلسفي تأسيسي؟ أم أننا سنبقى أسرى خطاب الغضب، دون أن نرتقي إلى مستوى النقد الذي يُنتج بديلاً أخلاقياً واجتماعياً قابلاً للحياة؟
في العام 1749، وقعت عينا جان جاك روسو، مصادفةً، على إعلان في صحيفة Le Mercure de France عن جائزة أعلنتها أكاديمية ديجون، تتعلق بسؤال بدا في حينه بسيطاً في صياغته، عميقاً في مآلاته: هل ساهم تقدم العلوم والفنون في تطهير الأخلاق أم في إفسادها؟. هذا السؤال لم يكن أكاديمياً محضاً، بل كان، كما يروي روسو في الاعترافات، شرارةً أيقظت في داخله مشروعاً أخلاقياً كاملاً، أعاد توجيه فكره، وربما مسار الفلسفة السياسية الحديثة بأسرها.
حين فاز روسو بالجائزة عام 1750 عن خطاب في العلوم والفنون، لم يحتفل بانتصار معرفي بقدر ما استعاد يقيناً أخلاقياً غائراً في طفولته، زرعه فيه الأب والوطن وبلوتارخوس: أن لا عظمة تعلو على الحرية، ولا جمال يسمو على الفضيلة، وأن الاكتفاء بالذات أسمى من الثروة ومن كل ما تصنعه الآراء والاعتبارات الاجتماعية. هكذا تحوّل سؤال أكاديمية ديجون من تمرين فكري إلى موقف وجودي وأخلاقي، ومن نقد للتقدم إلى تأسيس لرؤية بديلة عن الإنسان والمجتمع.
من سؤال التقدم إلى سؤال الفساد
إذا انتقلنا من ديجون القرن الثامن عشر إلى العراق المعاصر، يفرض علينا السياق سؤالاً موازياً، وإن كان أكثر قتامة: هل ساهم الفساد الحكومي والإداري في إفساد أخلاق الناس، أم أنه – على نحو مفارق – أعاد إليهم حسّ النزاهة ورفض الانحطاط؟. سؤال كهذا لا يستهدف تبرئة الفساد، بل يسعى إلى فهم أثره الأخلاقي العميق في المجتمع، لا بوصفه خللاً إدارياً فقط، بل كبيئة شاملة لإنتاج القيم والسلوكيات.
في الظاهر، يبدو الجواب بديهياً: الفساد يفسد الأخلاق. لكنه جواب كسول، لأن الواقع الاجتماعي لا يعمل دائماً بمنطق خطّي بسيط. فالفساد، حين يستشري ويتحوّل إلى بنية لا إلى استثناء، لا يدمّر القيم فقط، بل يعيد تشكيلها. بعض الأفراد يتكيّف، يبرّر، ويتعلّم مهارات الانتهازية. وبعضهم الآخر، وعلى الضد، يطوّر حساً أخلاقياً احتجاجياً، يرى في النزاهة شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة.
المدني بلا سؤال أخلاقي
غير أن الإشكال الأعمق في المشهد العراقي لا يكمن في الفساد وحده، بل في عجز ما يُسمّى اليوم بالتيار “المدني” أو “المتنور” عن تحويل هذا الواقع إلى سؤال أخلاقي تأسيسي. فغالب هذا الخطاب يكتفي ببثّ الانزعاج، وفضح الفاسدين، والتحريض على السياسيين، دون أن ينتقل إلى مستوى أعمق: ما نوع الإنسان الذي نريده؟ وما منظومة القيم التي يجب أن تُبنى عليها الدولة والمجتمع؟.
هنا تحديداً تغيب لحظة روسو. فروسو لم يكتفِ بنقد العلوم والفنون، بل سأل عن أثرها في الروح البشرية، وعن علاقتها بالحرية والفضيلة. أما في حالتنا، فكثير من الخطابات الاحتجاجية تُفرغ من بعدها الأخلاقي، وتتحول إلى تعبير عن سخط مشروع، لكنه بلا أفق معياري واضح. وهكذا يصبح التنوير مجرّد موقف سياسي، لا مشروعاً أخلاقياً.
الوطن كسفينة بلا بوصلة
الوطن في هذا السياق، يبدو كسفينة غارقة، لا لأن العاصفة أقوى من طاقتها فحسب، بل لأن البوصلة نفسها مفقودة. لا سلطة دولة تُترجم القانون إلى ممارسة عادلة، ولا خطاب تنويري ينجح في تحويل القيم إلى برامج اجتماعية قابلة للحياة. وبين هذا وذاك، يتآكل المعنى: القانون يُرى كأداة قسر، لا كقيمة مشتركة، والأخلاق تُختزل في وعظ فردي أو حنين إلى ماضٍ متخيَّل.
السؤال العراقي، إذاً، لا ينبغي أن يُطرح فقط بصيغة: من سرق ومن أفسد؟ بل بصيغة أعمق: كيف نعيد تأسيس العلاقة بين الأخلاق والسلطة، بين النزاهة والنجاح، بين الفضيلة والعيش الكريم؟. هذا سؤال لا تُجيب عنه الشعارات، بل يتطلب شجاعة فكرية شبيهة بتلك التي امتلكها روسو حين تجرأ على الوقوف ضد تيار عصره.
نحو سؤال تأسيسي جديد
كما كان سؤال ديجون لحظة كشف في تاريخ الفكر الأوروبي، يمكن لسؤال الفساد في العراق أن يكون لحظة كشف مماثلة، إذا أُحسن طرحه. ليس المطلوب تبرير الانحطاط، ولا الرهان الساذج على أن الشر يولّد الخير تلقائياً، بل إدراك أن المجتمعات لا تنهض إلا حين تحوّل أزماتها إلى أسئلة أخلاقية كبرى، تُبنى عليها مشاريع سياسية واجتماعية واضحة.
من دون ذلك، سيبقى الفساد واقعة يومية، وسيبقى الاحتجاج ضجيجاً أخلاقياً بلا بنية، وسيظل الوطن سفينةً تتقاذفها الأمواج، بلا حرية تُنقذها، ولا فضيلة تهديها الطريق.


