هيمنة القطب الأوحد وتآكل الشرعية الدولية: قراءة في السياسات الأحادية المعاصرة م.م زيد خالد صالح ما زال نظام القطب الأوحد يفرض هيمنته على بنية النظام الدولي حتى يومنا هذا، في ظل غيابٍ ملحوظ لأي موقفٍ فاعل أو تدخلٍ واضح من قبل الدول الأعضاء في مجلس الأمن إزاء الممارسات التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية. فعلى الرغم من الخطاب المتكرر الذي يرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أنّ الواقع العملي يكشف عن تناقضٍ بنيوي بين الخطاب والممارسة. وتتجلى هذه المفارقة بشكلٍ صارخ في الانتهاكات المتكررة لمبدأ سيادة الدول، حيث يُعدّ اختطاف رئيس دولة ذات سيادة من داخل أراضيها ومن منزله—كما يُثار في الحالة الفنزويلية—جريمةً دوليةً مكتملة الأركان لا يقرّها القانون الدولي بأي حال. فمثل هذا الفعل يُمثّل خرقًا فاضحًا لمبادئ القانون الدولي العام، ويقوّض الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر.
لقد نصّ ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة (2/1) التي تؤكد على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء، والمادة (2/4) التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، على قواعد واضحة لا تقبل التأويل أو التجاوز.
كما يُعدّ هذا السلوك انتهاكًا مباشرًا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو أحد الأعمدة الأساسية للاستقرار الدولي. ومن هنا، تبرز ضرورة الوقوف العالمي الجاد في وجه السياسات الأحادية التي ينتهجها تحالف ترامب–نتنياهو، والتي تقوم على استخدام عناصر القوة الصلبة ضد الدول بصورة غير مبررة، في تجاوزٍ خطير لكافة الأعراف والمواثيق الدولية.
إنّ هذا النهج لا يهدد فقط سيادة الدول الضعيفة أو الخارجة عن دائرة النفوذ، بل يفتح الباب أمام تفكيك منظومة القانون الدولي وتحويل العلاقات الدولية إلى ساحة تحكمها موازين القوة لا قواعد الشرعية. إنّ استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الممارسات يُسهم في تكريس منطق القوة بدلًا من قوة القانون، ويُضعف الثقة بالمؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، الذي بات يُنظر إليه كأداة انتقائية تُفعَّل وفق مصالح القوى الكبرى. وعليه، فإنّ إعادة الاعتبار للتعددية الدولية، واحترام سيادة الدول، وتفعيل آليات المساءلة القانونية الدولية، لم تعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة وجودية للحفاظ على السلم والأمن الدوليين .


