تُعدّ القضايا القانونية ذات الطابع الدولي من أكثر الملفات تعقيداً في النظام العالمي المعاصر، إذ تتقاطع فيها السياسة بالقانون، وتختلط فيها معايير العدالة بموازين القوة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضيتا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث يواجه كلٌّ منهما اتهامات قانونية خطيرة، لكن ضمن مسارات قانونية مختلفة، وضمن بيئات سياسية غير متكافئة، ما يفتح الباب أمام مقارنة قانونية تكشف حدود القانون الدولي، وانتقائيته، وآليات توظيفه .
أولاً: الإطار القانوني لقضية نيكولاس مادورو تعود قضية نيكولاس مادورو أساساً إلى اتهامات موجّهة له من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، تتعلق بجرائم الاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال، و”الإرهاب المرتبط بالمخدرات”.
هذه التهم لم تُطرح ضمن إطار محكمة دولية مستقلة، بل صدرت عبر وزارة العدل الأمريكية، التي أعلنت لوائح اتهام ووضعت مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله. من الناحية القانونية، تستند هذه القضية إلى الولاية القضائية الوطنية الأمريكية ذات الامتداد العابر للحدود، وهي ولاية مثار جدل واسع في القانون الدولي، لأنها تقوم على فرض القوانين الوطنية لدولة بعينها على رئيس دولة ذات سيادة، دون قرار صادر عن مجلس الأمن أو محكمة دولية مختصة.
قضية مادورو، بهذا المعنى، لا تمر عبر المحكمة الجنائية الدولية، ولا عبر آليات الأمم المتحدة، بل تُدار كملف جنائي أمريكي، يخضع للاعتبارات السياسية بقدر خضوعه للنصوص القانونية. كما أن فنزويلا لا تعترف بالاختصاص القضائي الأمريكي، وترى في هذه الاتهامات انتهاكاً صارخاً لمبدأ السيادة، وتدخلاً مباشراً في شؤونها الداخلية. وبالتالي، فإن الإشكالية القانونية هنا تتمحور حول مشروعية الملاحقة من الأساس، وليس فقط حول مضمون الاتهامات.
ثانياً: الإطار القانوني لقضية بنيامين نتنياهو في المقابل، تأخذ قضية بنيامين نتنياهو مساراً قانونياً مختلفاً شكلاً، وإن تشابهت معها من حيث التسييس. فالاتهامات الموجهة إليه على المستوى الدولي جاءت عبر المحكمة الجنائية الدولية، وتتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، على خلفية العمليات العسكرية في قطاع غزة.
المحكمة الجنائية الدولية، نظرياً، هي جهة قضائية دولية مستقلة، أُنشئت بموجب نظام روما الأساسي، وتختص بملاحقة الأفراد المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية. غير أن الإشكال القانوني هنا يتمثل في مسألتين أساسيتين: الأولى أن إسرائيل ليست طرفاً في نظام روما، ما يثير جدلاً حول اختصاص المحكمة. والثانية أن تنفيذ أي أوامر توقيف أو مذكرات اعتقال يبقى رهناً بتعاون الدول الأعضاء، وهو تعاون تحكمه اعتبارات سياسية واضحة، خاصة عندما يكون المتهم حليفاً استراتيجياً لقوى كبرى. وعلى الرغم من الطابع “الدولي” للقضية، فإن مسارها العملي لا ينفصل عن موازين القوة والنفوذ داخل النظام الدولي .
ثالثاً: طبيعة التهم والاختلاف القانوني الجوهري من حيث طبيعة التهم، يُتهم مادورو بجرائم جنائية ذات طابع عابر للحدود (مخدرات، غسل أموال)، وهي جرائم خطيرة لكنها لا تندرج ضمن “الجرائم الدولية الأساسية” كما حددها القانون الدولي الجنائي. أما نتنياهو، فتتعلق الاتهامات الموجهة إليه بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي من أخطر الجرائم التي يعترف بها القانون الدولي، وتخضع من حيث المبدأ لمبدأ عدم التقادم وعدم الحصانة . هذا الفرق الجوهري يضع القضيتين في مستويين قانونيين مختلفين: قضية مادورو تُدار كصراع قانوني-سياسي بين دولة قوية ودولة أضعف، بينما قضية نتنياهو تُطرح – نظرياً – ضمن منظومة العدالة الدولية. لكن هذا الاختلاف الشكلي لا يعني بالضرورة اختلافاً في النتائج العملية .
رابعاً: الحصانة السيادية وحدودها في الحالتين، تبرز مسألة الحصانة السيادية بوصفها نقطة مركزية. فمادورو، بوصفه رئيس دولة، يتمسك بالحصانة الكاملة أمام القضاء الأجنبي، وهو موقف يتوافق مع قواعد راسخة في القانون الدولي التقليدي.
أما في حالة نتنياهو، فإن المحكمة الجنائية الدولية لا تعترف بالحصانات في الجرائم الدولية الجسيمة، وهو تطور قانوني حديث نسبياً، لكنه يصطدم عملياً برفض الدول الكبرى تطبيقه على حلفائها. خامساً: السياسة كعامل حاسم المقارنة بين القضيتين تكشف أن العامل الحاسم ليس قوة النص القانوني، بل موقع الدولة في خارطة النفوذ العالمي. مادورو، رئيس دولة مصنّفة خصماً سياسياً، يُلاحق قضائياً ويُهدَّد بالاعتقال والعزل . أما نتنياهو، فرغم خطورة التهم، يحظى بحماية سياسية واضحة، تجعل تنفيذ أي إجراء قانوني بحقه أمراً شديد التعقيد .. تكشف المقارنة القانونية بين قضية نيكولاس مادورو وقضية بنيامين نتنياهو أن العدالة الدولية، في صيغتها الحالية، تعاني اختلالاً بنيوياً عميقاً. فالقانون يُطبَّق بصرامة على الضعفاء، ويُفرَّغ من مضمونه أمام الأقوياء. وبينما يُستخدم القانون في حالة مادورو كأداة ضغط سياسي، يُواجه في حالة نتنياهو بجدار من الحصانات غير المعلنة ..


