تفاهات الجهلاء ، تتصدر المواقع

تفاهات الجهلاء ، تتصدر المواقع
يستنكر النص تفشي الشتائم والانفعالات في البرامج السياسية، داعيًا إلى ترسيخ ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر، ووضع ضوابط أخلاقية صارمة للإعلام، لأن تدهور مستوى النقاش يهدم الثقة ويشوّه صورة الوطن أمام الداخل والخارج...

إلى متى تستمر حالة التصعيد والتوتر بين ضيوف البرامج السياسية؟ وإلى متى تبقى لغة الشتائم والعبارات النابية هي العنوان الأبرز بدل أن يكون الحوار مسؤولًا وراقيًا؟ إن ما يحدث لا يسيء فقط إلى سمعة البرنامج وإدارته، بل يكشف مستوى ثقافة وتربية وأخلاق بعض الضيوف، ويضرب صورة البلد في الداخل والخارج، خاصة حين يكون المتحدثون من أصحاب النفوذ والتأثير وصنّاع القرار. لقد تحولت بعض الشاشات إلى ساحة صراع بدل أن تكون منبرًا لتبادل الرأي وتبادل الأفكار، وصار المشاهد بدل أن يبحث عن الحقيقة، يجد نفسه أمام مشاهد استعراض للغرائز والانفعالات، وكأن الهدف ليس توضيح الرؤية للناس، بل تسجيل انتصار شخصي مؤقت على الخصم أمام الكاميرا. هذه الظاهرة ليست مجرد سلوك فردي عابر، بل باتت حالة ثقافية خطيرة تُعمق الانقسام وتُشرعن الإساءة وتُربي جيلاً يرى الشتيمة شجاعة، والصراخ بطولة، والتجاوز مهارة إعلامية. إن الإعلام مساحة وعي لا ساحة صراع، ومنبر مسؤولية لا منصة لتصفية الحسابات.

المطلوب احترام عقل المشاهد، وترسيخ ثقافة النقاش الهادئ، وإعادة الاعتبار للكلمة المسؤولة التي تبني ولا تهدم، وترفع من قيمة الوطن بدل أن تجرحه أمام العالم. المتحدث الذي لا يمتلك لغة الحوار، ولا يحترم رأي الآخر، ولا يعرف حدود أدب الاختلاف، لا يستحق أن يُقدَّم للناس على أنه نموذج أو صوت يمثلهم. المشكلة الحقيقية ليست فقط في الضيوف، بل في بعض البرامج التي تتعمد صناعة الأزمات واستفزاز الضيوف وإشعال التوتر عمدًا؛ لأن الإثارة والضجيج تجلب المشاهدات، وكأن القيم يمكن أن تُباع مقابل نسبة مشاهدة أعلى! حين يسقط الإعلام في هذا الفخ، فإنه يتحول من رسالة إلى تجارة، ومن دور وطني إلى أداة فوضى، ومن قوة تأثير إيجابي إلى معول يهدم ما تبقى من ثقة الناس بالحوار. لقد آن الأوان أن نرتقي بأسلوب الطرح وأن نضع ضوابط أخلاقية ومهنية صارمة، وأن يُحاسب كل من يتجاوز حدود الأدب على الهواء، تمامًا كما يُحاسب أي شخص يسيء في أي مؤسسة. فالميكروفون ليس لعبة، والكاميرا ليست وسيلة لتلميع الجهلاء أو ترقية المتطاولين. والخطورة الأكبر أن استمرار هذه السلوكيات سيجعل الناس تفقد الثقة في الخطاب الإعلامي والسياسي على حد سواء، وسيدفع الكثيرين للبحث عن الحقيقة خارج القنوات الرسمية والمنابر المهنية.

. إن مستوى الحوار يعكس مستوى الحضارة، وطريقة اختلافنا تكشف حقيقة ثقافتنا. فإذا كان بعض “الضيوف” لا يعرفون كيف يختلفون دون إساءة، فهذا يعني أننا بحاجة إلى إعادة بناء منظومة الأخلاق قبل بناء أي خطاب سياسي أو إصلاحي. يجب أن نعيد الاعتبار للهدوء، للمنطق، وللغة التي تحترم الإنسان ولا تهينه، وتناقش الفكرة دون أن تذبح صاحبها. مسؤولية الإصلاح مشتركة: على الإعلام أن يختار ضيوفه بعناية، وعلى الضيوف أن يدركوا أنهم يمثلون دولة وشعبًا لا أنفسهم فقط، وعلى الجمهور ألّا يمنح الشهرة لمن يحترف الإساءة، وألا يصفق للضجيج على حساب الحقيقة. فلا كرامة لحديث بلا أخلاق، ولا قيمة لأي رأي إن لم يُقدَّم بوعي واحترام. نريد إعلامًا يصنع رأيًا عامًا واعيًا لا جمهورًا غاضبًا، إعلامًا يعلّم الناس كيف يختلفون بكرامة، وكيف يتحاورون بثقافة، وكيف يعبرون عن مواقفهم دون أن يسقطوا في مستنقع الشتيمة والانحدار.

فالوطن بحاجة إلى كلمة صادقة، وعقل هادئ، وصوت مسؤول… لا إلى صراخ بلا معنى، ومشاهد استعراض لا تُقدم للناس إلا مزيدًا من التشويه والإسفاف. إننا بحاجة اليوم إلى ثورة أخلاقية في السلوك الإعلامي والسياسي، تعيد ترتيب الأولويات وتضع قيمة الوطن فوق نزوات الأفراد، وتعيد الهيبة للحوار، وتؤكد أن القوة ليست في علو الصوت، بل في قوة الحجة، وأن الوقار ليس في المقعد السياسي، بل في السلوك الإنساني، وأن الوطن لا يُبنى بالمهاترات… بل بالكلمة النظيفة والضمير الحي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *