فنزويلا في مرمى الإمبريالية وتحول أنماط الصراع الدولي

فنزويلا في مرمى الإمبريالية وتحول أنماط الصراع الدولي
يُبيّن النص أسباب عدم ترجيح فرضية «الخيانة الداخلية» في حادثة فنزويلا، مُرجِعًا الحسم إلى تفوق استخباري وتشويش إلكتروني وصعقة عملياتية. كما يوضح أثر الحصار النفطي والعقوبات في الأزمة، ويطرح أسئلة فنية حول إخفاقات الدفاع....

بكلمات أخرى؛ لماذا لا أنحاز كثيرا إلى تفسيرات “الخيانة الداخلية” في عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي؟ قبل أن أجيب على هذا السؤال وأطرح مبرراتي التحليلية أسجل الآتي: الفنزوليون ليسوا ملائكة بأجنحة ناصعة البياض، بل هم بشر كسائر البشر يمكن أن يَزِلّوا ويخطئوا ويخونوا. هذا على المستوى البشري العام.

أما على مستوى نظام الحكم البوليفاري بقيادة مادورو، فهو يعاني من الفساد الإداري والمالي ومن النزعة الفردانية في الحكم وهذا ما يسهل -إضافة إلى ما تفرزه حالة الفاقة والحصار والنقص الشامل حتى في الطعام بسبب الحصار على صادرات النفط الفنزويلي – الاختراقات الأمنية المحتملة لمؤسساته. وكانت محاولات تجنيد جاسوسية كثيرة قد حدثت في الماضي القريب، ومنها محاولة تجنيد الطيار الخاص بالرئيس مادورو ونقله بطائرته رغم عنه وبحركة غادرة إلى الولايات المتحدة ولكن الطيار لم يخن رئيسه وفضح المؤامرة.

ومعروف أيضا خلافات الحكم البوليفاري مع حلفائه اليساريين التي برزت إلى العلن مع الحملة القمعية التي أطلقها النظام ضد الحزب الشيوعي الفنزويلي وفصائل يسارية أخرى قبل بضعة أشهر. والسبب هو أن هذه القوى اليسارية طالبت بوضع حد للفساد والفردية والفوقية في الحكم. كما أشارت فصائل أخرى في بيانها حول الأحداث إلى الفساد الحكومي ولكن ذلك لم يمنع جميع فصائل اليسار من التضامن مع الحكم والإعلان عن حالة النفير العام ضد العدوان الأميركي لأن المستهدف هو الوطن وثرواته وليس الرئيس فقط، فلم يهرولوا إلى حجز مقاعدهم في حكومة يفبركها الاحتلال الوشيك كما فعل غيرهم من “يساريين” انتهازيين ووصوليين!

الإمبريالية وتحولات أدوات الصراع

ولكن هذا الاحتمال بالاختراق والتجنيد يبقى قائما غير أنه لا يتمتع بدرجة عالية من القوة الحسم خلال التنفيذ وربما كان للأخطاء الدفاع الفنزويلي تأثيرا أكبر من تأثير هذا الاختراق. لماذا لا أميل إلى التعويل على الخيانة الداخلية في تفسير ماحدث وبسهولة التي تم بها ماحدث؟ لأن هناك دلائل يمكن توثيقها مما زلت به ألسنة المتعدتين الإمبرياليين الأميركيين تجعله هكذا ومنها:

-اعترافهم بوقوع عدة إصابات في صفوف جنودهم المهاجمين وصفوا هذه الحالات بالمستقرة وكعادتهم لم يحددوا عددها.

-اعترافهم بإصابة واحدة من طائراتهم العمودية وتمكنت من العودة إلى قاعدتها رغم إصابتها.

وهذا يعني أن مواجهة مسلحة قد وقعت بين حرس الرئيس والمعتدين المهاجمين.

-اعترافهم بأن عددا كبيرا من حماية الرئيس وبعضهم من القوات الخاصة الكوبية قد قتلوا. وهو ما اعترف به وزير الدفاع الفنزويلي أيضا. وآخر الأخبار تتحدث عن ثمانين قتيلا بين عسكري ومدني في فنزويلا والرقم في تصاعد.

– الاتهامات بالخيانة التي وجهت إلى نائبة الرئيس ديسلي رودريغز من جهات أميركية سياسية ومخابراتية منها ما روَّجه ضابط المخابرات الأميركية المتقاعد رون أليدو على مواصل التواصل  من مقولات الإغراق بالأموال لشراء الذمم وأعتقد أن هذا الشخص يحمل اسما إسرائيليا “رون أليدو”، وكلامه في أقل تقدير مبالغ فيه جدا. أي أن هذه الاتهام والتعويل على الخيانة الداخلية لا تستقيم مع عدة حقائق منها:

*التهديدات الحادة والصفيقة التي وجهها ترامب شخصيا إلى هذه السيدة بأنها إن لم تطع أوامره فستتعرض للانتقام وستواجه مصيرا أسوأ من مصير مادورو فلو كانت رودريغز خائنة لما احتاج ترامب إلى تهديدها.

*كما أن هذه الاتهامات لا تستقيم مع التصريحات التي أطلقتها نائبة الرئيس قبل تكليفها رسميا بالرئاسة المؤقتة واعتبرت فيها أن مادورو هو الرئيس الشرعي الوحيد لفنزويلا. أما تصريحاتها بعد التكليف والتي جاءت ناعمة ومرنة ودبلوماسية أكثر من المتوقع قد تعكس توجها لتكريس التفاوض بدلا من المواجهة. ولكن يبدو أن الإدارة الفنزولية الحالية بدأت تخرج من وقع الصدمة القاسية التي شكلها اختطاف الرئيس وزوجته.

فنزويلا كنموذج للحرب

وأعود إلى القول؛ مع ذلك فإن السهولة والسرعة والإتقان الذي حدثت به العملية يثير العديد من علامات الاستفهام ومن ذلك:

-لماذا لم تستعمل المقاومات الجوية المحمولة على الكتف من طراز إيغلا إس، روسية الصنع مخصصة لاستهداف الطائرات منخفضة التحليق والمروحيات والمسيرات وهي الذي لا يؤثر على تشغيلها التشويش الالكتروني.

-لماذا لم يتم تشغيل بطاريات أي 300 الروسية؟ وهنا يحضر التشويش الإلكتروني والسيبراني المعادي والذي عانت منه دفاعات الإيرانية رغم أنها ليست متقدمة كالدفاعات الفنزويلية من حيث الطراز.

-لماذا لم يتم تشغيل منظومة كهربائية بديلة بعد تعطيل المنظومة الكبرى في العاصمة؟

*إن العملية الأميركية برمتها هي عبارة عن غارة لصوصية ليلية سريعة بعد إطفاء الكهرباء في العاصمة وإغراقها بالظلام والتشويش الإلكتروني والسيبراني العامل فلم تستغرق العملية برمتها أكثر 150 دقيقة بضمنها عملية التسلل واغتيال الحرس الرئاسي “بدم بارد” كما قال وزير الدفاع الفنزويلي، واقتحام مهجع الرئيس بسرعة خارقة لم تترك للحرس وقتا حتى لإغلاق البوابات الحديدية الحصينة.

ولكن ماهي آفاق الوضع في فنزويلا وخصوصا بعد الخروج من الصدمة وصعود حالة المد الشعبي في شوارع كراكاس والمدن الفنزويلية الأخرى؟ ولماذا لم يعول الأميركيون على الغزو البري أو الإنزال البحري الذي جربوه سنة 2020 وانتهى إلى الفشل ومقتل واعتقال من قاموا به وفضلوا عملية الصعقة السرية على الإنزال أو الغزو والمواجهة المباشرة؟ وهل صحيح أننا ما نزال في بداية الصراع وأن الحرب لم تحسم بعد بين الشعوب والإمبريالية الأميركية بل بدأت للتو؟  هذه أسئلة أخرى قد نتوقف عندها في معالجة تحليلية قادمة.

ولكن قبل أن أودعكم أود التوقف عند مقولة اتهامية يكررها بعض الناس الذين يجهلون كل شيء عن فنزويلا وأميركا اللاتينية فيقولون مثلا “إن النظام الشيوعي الحاكم جوَّع شعبه” وأنه لم يستثمر الثروة النفطية الهائلة لتحقيق الرخاء لشعبه بل انشغل بالعنتريات”. لهؤلاء أقول؛ إن فنزويلا التي تملك احتياطيا نفطيا هائلا يفوق ما تملكه السعودية والعراق وإيران ويصل إلى 303 مليار برميل نفط غير قادرة بسبب الحصار ونظام التقييدات الأميركي على استخراج وتصدير أكثر من ثمانمائة ألف برميل فقط تصدر ثمانين بالمئة منها إلى الصين (قارن مع ما تصدره السعودية لوحدها والذي يتراوح بين ستة وتسعة ملايين برميل يوميا). أي إنها ممنوعة بألف قيد وقيد من بيع نفطها كما تشاء وهي محاصرة عمليا بالبوارج والمدمرات الحربية الأميركية. وحتى كوبا التي لا تملك محصولا استراتيجيا غير السكر ممنوعة بالتقييدات الأميركية –وهي تقييدات فعالة لا تقل تأثيرا عن الحصار المعلن – من بيع سكرها وكاد اقتصادها ينهار بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية التي كانت المستورد الوحيد للسكر الكوبي ولكنها استطاعت عبور المأزق وماتزال تعاني من الفقر الحاد والنقص في كل شيء وهو فقر ونقص مفروضان من قبل عدوة الشعوب الإمبريالية الأميركية التي تشترط على كل دول الجنوب بما فيها بل وفي مقدمتها دول أميركا اللاتينية القبول بالتبعية والعبودية وإلا فالحصار باستعمال الدولار ونظام سويفت للتحويل  حاضران لتدمير اقتصادات الشعوب الطامحة للتحرر والاستقلال الوطني.

وفي المناسبة، فهذه المعلومات والأرقام يمكن التأكد من صحتها بزيارة قصيرة الى الموسوعات ومواقع الذكاء التوليدي “الاصطناعي” إن كان البعض يشك بصحتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *