يغالط بعض الكتبة والمحللين السياسيين الطائفيين أنفسهم وجمهورهم حين يدرجون تجربة حكم التوافق الطائفي في العراق ولبنان، وهي تجربة تنتمي لعصور ما قبل الدولة وسيادة الهوية الفرعية على الوطنية الجامعة الحديثة، ضمن تجارب ديموقراطية ائتلافية توافقية في بعض الدول الأوروبية. وقد ساعدهم في ذلك ما تقدمه الموسوعات السياسية الرائجة ومواقع الذكاء التوليدي “الاصطناعي” من معلومات خاطئة ومضللة من أمثلة وتعريفات للديموقراطية التوافقية.
فهل هناك فعلا تجارب لنموذج الديموقراطية التوافقية، الذي يسمى أيضا “ديموقراطية التسويات” أو “حكم الائتلافات الحزبية” في العالم، وبماذا تختلف تلك النماذج في سويسرا وهولندا والسويد وبلجيكا عن التجربتين العراقية واللبنانية؟
هنا عرض توضيحي تحليلي بهدف كشف التزييف الذي يمارسه كتبة ومحللو الإقطاع السياسي الطائفي في العراق ولبنان. مع التنويه إلى أن الوضع الطائفي في لبنان متجذر دستورياً وأقدم منه في العراق حيث تجري الانتخابات وفق ما يسمونه “القيد الطائفي”، وهذا القيد غير موجود في التجربة العراقية حتى الآن لحسن الحظ. ولكن الحالة في لبنان وجدت حلاً جريئا لها في باب المبادئ العامة – فقرة الإصلاحات السياسية من اتفاق الطائف (30 أيلول 1989) التي نصت على الاعتراف بوجود الطائفية السياسية وأن الاتفاق “يُقر – بوجوب القيام – بتعديلات دستورية تهدف لإلغاء الطائفية السياسية”، وتكون البداية باعتماد المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في الحكم. ولكن عمليا لم يتم تطبيق هذه الفقرة حتى الآن بسبب مقاومة الاقطاع السياسي المسيحي ثم الإسلامي الشرسة ورفضه التنازل عن حصصه الحالية في غنائم الحكم:
لنعد إلى موضوع الديموقراطية التوافقية، فماذا يقول تعريفها التقليدي الشائع؟ إنها (نظام حكم ديمقراطي يركز على إشراك جميع الأطراف السياسية في مجتمع شديد الانقسام في الحكم وصناعة القرار من خلال تحقيق التوافق بدلاً من الاعتماد فقط على مبدأ حكم الأغلبية من خلال التعاون بين النخب السياسية، مما يضمن تمثيل الأقليات وحقوقها ويُشار إلى هذا النظام أيضاً باسم “ديمقراطية التسويات” ويضرب لها أمثلة في سويسرا وهولندا وبلجيكا والسويد ثم يضيف العراق ولبنان).
نلحظ من هذا التعريف أن الكلام ليس عن توافق بين ممثلي طوائف وإثنيات منفصلة عن بعضها في شبه دويلات داخل مجتمع في دولة واحدة، بل عن نخب وأحزاب سياسية تمثل المجموع الوطني أي جميع مكونات المجتمع في أحزاب عابرة للطوائف الدينية مع ضمان تمثيل الأقليات وحقوقها.
لنستعرض تجارب بعض الدول المحسوبة على الديموقراطية التوافقية لنرى كم هي مختلفة عن تجربتي العراق ولبنان التي حشرت حشرا في هذا النوع من الحكم؛
نعلم بدءاً أن هذه الدول قليلة جدا في العالم وتشمل – بحسب موسوعات المعلومات السياسية الرائجة – سويسرا وبلجيكا وهولندا والسويد والعراق ولبنان. وهذه القائمة غير دقيقة تماماً من حيث النوع والالتزام بمضمون التعريف المتفق عليه كما سنبيِّن. فسويسرا لا تأخذ بالديموقراطية التوافقية إلا جزئياً، وبشكل سطحي. كيف ذلك؟
أولا، هناك على الدوام معارضة في البرلمان السويسري، تحتل اليوم اثنين وثلاثين مقعد من مجموع مائتي مقعد لأحزاب أهمها الخضر والليبراليين الخضر وحزب الشعب (يميني متطرف) وغيرها والحكم الفعلي بيد ائتلاف من الأحزاب الكبيرة الأخرى من اليسار واليمين والوسط وليس من أحزاب طوائف، علما أن المجتمع السويسري ينقسم دينيا وطائفيا على الشكل التالي: الكاثوليك: 33.7%، البروتستانت: 21.8%، الإسلام: 5.5%، مجموعات دينية أخرى: 7.2%، لا دينيون (بدون انتماء ديني) ارتفعت نسبتهم من 8% إلى 30.9%.
وثانيا، فصلاحيات المجلس الوطني السويسري (200 مقعد) وبضمنه مجلس الكانتونات (46 مقعدا) هي صلاحيات محدودة، والحكم يعود في الصغيرة والكبيرة إلى رأي الشعب في استفتاءات دورية عديدة تصل أحيانا إلى ستة استفتاءات أو أكثر في كل سنة. ولعل من أطرف الاستفتاءات التي شهدتُها استفتاء على سؤال يقول: هل توافق أم لا على قطع قرون البقر السويسري، أم تركها تنمو؟ وقد فاز دعاة قطع القرون واستمر القطع كما هو جار منذ عقود، فبمجرد ولادة العجل أو العجلة تقطع قرونه وهو صغير، والحجة هي حتى لا تؤذي الأبقار نفسها خلال عراكها بقرونها أو تؤذي البشر حين تكبر. وقبل أيام أجري استفتاء كانتوني أي خاص بكانتون وجمهورية جنيف (وهي الكانتون الوحيد في سويسرا الذي يسمح له الدستور باسم “جمهورية وكانتون”) سُئل فيه المواطنون إن كانوا يوافقون أم لا على إقامة منتزه جديد في المدينة على أراض تابعة للبدلية…الخ.
وثالثا، فالأحزاب السياسية في سويسرا لا تؤسس على أساس الهويات الفرعية الطائفية بل على أساس وطني عابر للطوائف غالبا، ولكن هذا لا يمنع تأسيس أحزاب مدينية أو جهوية. والدستور السويسري لا يشجع على التباهي بالانتماء القومي أو اللغوي أو الديني ولكنه لا يعاقب عليه. وفي سويسرا أربع لغات وطنية متساوية هي الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية واللغة الأخيرة هي لغة قديمة وقريبة كثيرا على اللاتينية، تتكلمها أقلية لا يتجاوز عديدها ستين ألف نسمة يقيمون في كانتون غراوبوندن شرقي سويسرا. وهذه اللغات مثبتة على العملة السويسرية وجوازات السفر وبطاقات التعريف الوطنية وكافة الوثائق الرسمية.
وليس في سويسرا جيش تقليدي بل قوات حكومية أشبه بالجيش الشعبي. ففي المادة الثامنة والخمسين أولا من الدستور السويسري يقرِّون أنهم يعتمدون قواعد ومبادئ المليشيا (selon le principe de milice) في تأسيس جيشهم. والنائب في البرلمان السويسري لا يأخذ راتباً شهريا أو تقاعديا، بل يسجل ساعات حضوره الجلسات على بطاقات في جهاز خاص وتقدم له أجور مواضعة على عدد الساعات التي قضاها في نشاطه البرلماني.
وغالبية السويسريين لا يعرفون من هو رئيس جمهوريتهم لأنه يتغير سنويا. فالرئاسة تناط بمجلس من سبعة أعضاء يتناوبون على الرئاسة سنويا ولا يتمتع الرئيس بأي سلطة على زملائه الستة ولكنه يمثل الدولة بشخصه ويدير الاجتماعات لمدة سنة فقط. وتنتخب الجمعية الاتحادية من بين أعضاء المجلس الفِدرالي رئيسا ونائبا للرئيس للاتحاد الكونفدرالي لفترة عام واحد كما قلنا.
وأخيرا، فالسويسريون يسمون نظامهم “الديموقراطية المباشرة” (Démocratie directe) وليس الديموقراطية التوافقية. والدولة السويسرية يسميها أهلها “الكونفدرالية”، ولكنهم يسمون حكومتهم “الحكومة الفيدرالية” وقد بحثتُ كثيرا عن الفرق بين المصطلحين فلم أجد إجابة شافية، فهناك تداخل بين الكونفدرالية (Confédération) التي تترجم غالبا إلى الدولة المتحدة، والفيدرالية (Fédéralisme) والتي تترجم غالبا إلى الدولة الاتحادية.
ولكن رأيي استقر بعد بحث على أن الفرق الوحيد والمهم بين الدولة المتحدة الكونفدرالية والدولة الاتحادية الفيدرالية هو في السلطات السيادية. ففي الدولة الاتحادية “الفيدرالية” تتقاسم الحكومة المركزية والولايات أو الأقاليم السلطات. أما في الدولة المتحدة “الكونفدرالية”، تتمتع الدول الأعضاء بالسيادة الكاملة وتفوض بعض الصلاحيات فقط لهيئة مشتركة. وتوجد نماذج مختلطة بين هذه وتلك أما في العراق فالحكم كما هو معلن إتحادي “فيدرالي”، ولكنه عمليا أكثر من متحدي “كونفدرالي”. حيث يتمتع الإقليم الكردي بكل صلاحيات الدولة المستقلة ولا ينقصه سوى المقعد في الأمم المتحدة، ولكنه يعيش على ما يأتيه من الموازنة العراقية الاتحادية ومعظم إيراداتها يأتي من نفط الجنوب العراقي.
وهذا النوع من أنظمة الحكم يمكن أن نسميه احتيالي فيدرالي شكلا وكونفدرالي جوهرا ومضمونا وصلاحيات. وسبب سكوت الشركاء من الساسة الشيعة عليه هو أنهم بحاجة إلى التمثيل الكردي ليسيطروا على الحكم ويقضوا على أي احتمال في سيطرة غيرهم أي من العرب السنة وحتى من الساسة الشيعة العلمانيين أو حتى من الإسلاميين الصدريين على الحكم، وعلى هذا يمكن اعتبار صمت ساسة الإقطاع السياسي الشيعي كرشوة أو “خاوة = إتاوة تدفع رغما عن الدافع” يقدمونا للإقطاع السياسي الكردي لاستمرار تحالفهم الفئوي معهم.
أما في بلجيكا فالأمر مختلف ولا علاقة له بحكم التوافق الطائفي العراقي واللبناني أيضا. وهذا ما سنتوقف عنده في مقالة أخرى قريبا.


