كان التأميم للنفط الفنزويلي تتويجا لجهود استمرت لعقود من الزمن من قبل إدارات اليمين واليسار الحاكم في فنزويلا على حد سواء لاخضاع صناعة البترول حين يتنازل زعيم سابق يأتي اخر ليعيد سيطرة الحكومة فقد منح الرئيس خوان فينستي الزعيم اليميني العسكري الذي حكم فنزويلا من ١٩٥٨ الى ١٩٣٤ امتيازات الى الشركات الأمريكية وسمح لها بالسيطرة على ٩٨% وبذلك اصبحت فنزويلا ثاني اكبر منتج للنفط الخام في العالم.
تاريخ صناعة البترول في فنزويلا.
- في عام ١٩٤٣ خضعت الشركات النفطية للحكومة الفنزويلية بالتنازل عن قانون عام ١٩٤٣ الذي يعطيها الحق بالتنقيب دون استشارتها.
- في عام ١٩٥٨ تم الاتفاق مع الشركات لمناصفة الأرباح.
- في عام ١٩٧٥ بدا المشرعون الفنزويليون مناقشة تشريعات التأميم في عام ١٩٧٥.
- في عام ١٩٧٦ وقع الرئيس الفنزويلي كارلوس اندريس بيريز وهو ديمقراطي اجتماعي في أغسطس من العام المذكور على تأميم النفط الفنزويلي، وتولت شركة النفط الحكومية الفنزويلية ( بتروليوس دي فنزويلا) عمليات التنقيب عن النفط وانتاجة وتكريره وتصديره.
على أثر ذلك تضررت شركات النفط الأمريكية بشدة مثل شركة اكسون وموبيل اللتان اندمجا عام ١٩٩٩ ، وجلف أويل التي اصبحت شيفرون عام ١٩٨٤ كما تأثرت شركة شل الهولندية العملاقة، وخسرت هذه الشركات التي كانت تنتج ٧٠% من انتاج فنزويلا من النفط الخام ، ما يقارب ٥ مليارات دولار من الأصول، لكنها لم تحصل على واحد مليار دولار فقط كتعويص..
على اثر تلك الأحداث فرضت على فنزويلا تعويضات لهذه الشركات، من قبل غرفة التجارة الدولية بمبلغ يدفع الى شركة إكسون موبيل، ومنح المركز الدولي لتسوية المنازعات مبلغ ١.٦ مليار دولار لنفس الشركة ،كما منحت هذه المحكمة شركة كونوكو فيلبس مبلغ ٨.٧ مليار دولار.
ولم تتمكن فنزويلا تسديد كامل تلك المبالغ حتى الآن بسبب التضخم والعقوبات الأمريكية والغربية. وفي عهد الرئيس الفنزويلي المخطوف نيكولاس مادورا، خليفة تشافيز انخفضت صادرات النفط الفنزويلية من ٣ الى ٤ مليون برميل يوميا الى ٩٠٠ الف برميل يوميا.
ان الموقع الجيوسياسي لفنزويلا وقربها من الولايات المتحدة الأمريكية والدول المجاورة لها ، كانت تمثل في نهجها اليساري وتحالفها مع دول هي في تنافس مع الأخيرة وهي كل من الصين وروسيا الاتحادية، ومنذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايتة الثانية في ٢٤ فبراير ٢٠٢٤ورفع مذكرة ( أمريكا أولا) بدات هذه الإدارة الجديدة في البحث عن انجازات دون تكاليف للتخلص من اعباء عجز الموازنة الاتحادية الأمريكية والعجز الدائم في الحسابين التجارية والجاري ..والبحث عن ضمانات مصادر طاقة قريبة ورخيصة ووجدت ضالتها في النفط الفنزويلي..وعزز هذه الاحدات استمرار الازمة الروسية الأوكرانية وسعت بقوة الى أيجاد بديل عن مصادر الطاقة الروسية من (النفط الخام والغاز الطبيعي) التي تحتاجها أوربا لسد استهلاك القطاعات الانتاجية والعائلية بعد الغزو الروسي الى أوكرانيا في 24 فبراير من عام ٢٠٢٢ وتمثل فنزويلا واحدة من الخيارات..
وربما تنظر الولايات المتحدة الأمريكية ، ربما يؤدي الغزو الروسي الى ذوبان الجليد بين الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما مع فنزويلا بحكم الاحتياطيات الضخمة من النفط الخام لدى فنزويلا. ليكون بديلا عن النفط والغاز الروسين وجاءت أولى الخطوات في هذا الاتجاه اللقاء الذي جمع كبار مسؤولي البيت الأبيض في 15 مارس من نفس العام المذكور بحكومة الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورا) بعد قطيعة دامت عشرون عاما وتركزت أهداف اللقاء في ثلاثة نقاط :
الاولى: الوقوف على طبيعة التعاون العسكري (الروسي – الفنزويلي)
ثانيا: مناقشة إمكانية أن يصبح النفط الفنزويلي بديلا للنفط الروسي الذي تستورده أوربا والولايات المتحدة الأمريكية في حالة فرض الحضر الشامل على النفط الروسي.
ثالثا: وهي نقطة ليس لها علاقة باستئناف فنزويلا تصدير النفط الى الولايات المتحدة الامريكية تناولت مسألة أطلاق السجناء الأمريكيين في فنزويلا.
ومع تصاعد زخم الحرب في أوكرانيا أخذ منحى حظر واردات الطاقة من روسيا الاتحادية مسألة جدية في نهاية العام الجاري، والسؤال هنا؟ هل يستطيع التكتل المؤلف من (27) عضوا فعل ذلك؟ وما هو البديل المناسب؟ ومن هنا ينظر الى عودة العلاقات الامريكية – الفنزويلية واحدة من إفرازات الحرب في أوكرانيا، وما يترتب عليه من تغير اتجاهات التجارة في الطاقة الأحفورية، وبداية تلك التغيرات في إزالة العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على فنزويلا التي فرضت عليها في أغسطس 2017 من قبل الولايات المتحدة الامريكية عندما عطل الرئيس الفنزويلي إعادة كتابة الدستور وتفكيك السلطة التشريعية، حينها اصدر الرئيس الأمريكي السابق (دونالد ترامب) إجراءات اقتصادية ومالية سريعة ضد نظام فنزويلا وعلى قطاع الطاقة بشكل خاص ، وبحسب تقرير اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي ترتب على ذلك انخفاض الإنتاج النفط الخام بمعدل خمس مرات وتراجعت صادرات فنزويلا بنسبة 50% بعد العقوبات الامريكية، وتلا ذلك انخفضت استيراداتها بنسبة (-10 %) بمعدل شهري عام 2017 ثم الى -50%)) عام 2020 والأكثر الأثر المعاشي على المواطن الفنزويلي أذ انخفض معدل الأجور الشهرية الى 3 دولار أمريكي.
ونلقي الضوء أكثر على هذا الموضوع في نقطتين:
الأولى: حقائق عن الخيار النفطي الفنزويلي:
1- تم اكتشاف النفط في فنزويلا عام 1922 وأصبحت فنزويلا أكبر مصدر للنفط الخام عام 1928، وبعد تأميم النفط عام 1976 حدث تحول في الاقتصاد الفنزويلي كحال الدول النفطية الرئيسية الاخرى في العالم، إذ أهملت التنويع الاقتصادي وأصبح القطاع الاستخراجي يمثل نسبة تصل الى 60% من ناتجها المحلي الاجمالي، وتمثل العوائد النفطية نسبة تصل الى نحو 96% من اجمالي الايرادات المالية وتستورد الغذاء والدواء.. ويذكر أن فنزويلا من المؤسسين الى منظمة (OPEC) في اجتماعها التأسيسي في بغداد أيلول 1960.
2- تمتلك فنزويلا احتياطيات ضخمة من النفط الخام بحجم يبلغ 304 مليار برميل يمثل ما نسبته 18% من الاحتياطيات العالمية من النفط الخام في العالم البالغة 1733 مليار برميل، وهي بذلك تحتل المرتبة الاولى عالميا ثم المملكة العربية السعودية الثانية بنسبة 17% ثم كندا ثالثا 11% رابعا أيران 9% وخامسا العراق 8% .
3- يغلب على طبيعة النفط الفنزويلي كونه من النفط الثقيل والسميك (حامض) وهذه الميزة تقلل من أهمية هذا النوع من النفوط في العالم لأنه يتطلب عمليات خاصة عند الاستخراج والتكرير والنقل، وعند مقارنة سعر البرميل الواحد لنفط فنزويلا فقد بلغ نحو 62.72 دولار لشهر أكتوبر لعام 2021 في حين سعر النفط العراقي والسعودي الخفيف (Light) نحو81.48 و 82.77 للبرميل على التوالي .
4- قبل العقوبات الامريكية تنتج فنزويلا نحو 2.24 مليون برميل يوميا وذلك عام 2016 تصدر منه 1.9 مليون برميل يوميا وتستهلك الباقي، وعوائد بلغت 22 مليار دولار، وبعد العقوبات انخفض الإنتاج الى 540 برميل يوميا وبنسبة (-40%) عام 2020 ( ).
ثانيا: الدبلوماسية أو البراغماتية في التقارب الأمريكي – الفنزويلي:
1- تهمين التجارة في النفط الخام بين الولايات المتحدة الامريكية وفنزويلا، وتبلغ حجم الواردات الأمريكية من النفط الخام الثقيل قبل فرض العقوبات عام 2016 نحو 741 ألف ب/ي و55 ألف ب/ي من المنتجات البترولية الثقيلة، في حين تستورد فنزويلا نحو 75 ألف ب/ي من المنتجات البتروكيماوية من أمريكا.
2- لاتزال الولايات المتحدة الامريكية تعتمد على الوقود الأحفوري في توليد الطاقة الأولية وبنسبة تصل الى 80% مقابل 18% من بدائل الطاقة النظيفة و2% من الطاقة النووية. والوضع أصعب فيما يتعلق بالجانب الأوروبي (الاتحاد الأوروبي)
3- من الناحية الجيوسياسية وأمن الطاقة فدول الاتحاد الأوربي تستورد 30% من النفط الخام و15% من المنتجات النفطية بقيمة تبلغ 80 مليار دولار لعام 2021. أما حاجة أوربا الى الغاز الروسي تشير الأرقام عن الواردات الأوروبية لعام 2021 من الغاز الطبيعي بواسطة الانابيب (pipeline) نحو 211.3 مليار / م3 منها 167.7 مليار /م3 من روسيا وبنسبة تبلغ نحو 79% أما الواردات الأوربية من الغاز الطبيعي عبر الناقلات ( ) (LNG) فتمثل وارداتها بهذا الوسيلة نحو 17.2مليار/ م3 وبنسبة 15%، وهذا يعني ان الاتحاد الاوروبي يعتمد بنسبة 57%من احتياجاته من الغاز الطبيعي على روسيا الاتحادية وهذا يعني أكثر من النصف بكثير. وبالتالي هي مسألة لا يمكن تجاوزها من خلال فرض العقوبات وحضر الطاقة الروسية، فقد برزت خلافات بين أعضاء الاتحاد الأوربي حول تبني العقوبات من عدمها مثلا (موقف المجر وسلوفاكيا)، حول الإقلاع السريع عن الغاز الروسي.
4- وعن البدائل القريبة للمصدر الروسي الذي يستحوذ على نسبة 27% من الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي البالغ نحو 140.3 تريليون /م3، تطرح خيارات أخرى لزيادة حصة الواردات الأوربية منها سواء من داخل الاتحاد الأوربي مثل النرويج وهولندا أو من خارج الاتحاد مثل قطر وأستراليا والجزائر وكندا ونيجيريا وكازخستان ، وبالتأكيد أن تكاليف تسيل الغاز الطبيعي ليصبح أكثر كثافة من الغاز الطبيعي وأقل من كثافة الفولاذ عند الضغط الجوي حتى يتم نقله بواسطة الناقلات وتفريغ حولتها في موانئ خاصة غير متوفرة في بعض الدول الأوربية مثل المانيا، هي أكثر تكلفة وستنعكس على حياة المواطن الأوربي الذي بدأ يشعر فعلا بارتفاع أسعار مصادر الطاقة .
5- لا يمكن أن توفر البدائل المطروحة زيادات إضافية في الأجلين القصير والمتوسط لأسباب منها ان المنتجين الرئيسين من الغاز الطبيعي لديهم عقود طويلة الاجل مع الدول المستهلكة للغاز الطبيعي وهذا ينطبق على دولة قطر التي تحتل المرتبة الثالثة بحجم الاحتياطيات من الغاز الطبيعي بحجم 24.7 تريليون/م3 وبنسبة 21% عالميا ، في حين هناك إشكاليات سياسية مع إيران لا نريد طرحها هنا التي تمتلك ثاني احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم بحجم 32.1 تريليون/ م3 وبنسبة 23% عالميا .
بدلا من الخاتمة : نستنتج من كل ما طرح من الصعوبة تغير اتجاهات التجارة العالمية في مصادر الطاقة القائمة، حتي لو استخدمت التكنولوجيا المتطورة لا يمكن تغير قواعد التوزيع الجغرافي لتلك المصادر، لربما أيجاد بدائل نظيفة لهذا النوع من الطاقة هي السبيل الوحيد لكسر المعادلة، كذلك حتى لو نجحت الدبلوماسية في إعادة العلاقات بين الولايات المتحدة والغرب من جهة وفنزويلا من جهة اخرى في العلاقات النفطية في ضوء تصاعد وتيره الحرب الروسية – الأوكرانية (سيما ان العقوبات على فنزويلا هي عقوبات ليست أممية ولم يوافق مجلس الأمن الدولي حينها على قرار بشأنها بل هي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والحلفاء المقربون) ربما يحل جزء مؤقت أذا ما علمنا أن فنزويلا تصدر ما نسبته 15% من نفطها الى أوربا قبل العقوبات الأمريكية عام 2017 في حين الشريك الآسيوي يستحوذ نسبة 72% من الصادرات الفنزويلية من النفط الخام في العام الأخير. فالأمر أذن يحتاج الى المزيد من الدبلوماسية الأمريكية للتعامل مرة أخرى للإعادة الشراكة التجارية الثنائية في السلع بين البلدين والتي كانت قبل العقوبات تمثل بالنسبة لفنزويلا المرتبة الاولى مع شركائها التجاريين الاخرين.


