فجر الاغتيال: حينما اخترقت الصواريخ حاجز الصمت

فجر الاغتيال: حينما اخترقت الصواريخ حاجز الصمت
اغتيال القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس أعاد صياغة توازن القوى الإقليمي، عزّز موقع المقاومة في العراق وأسرع انسحاب القوات الأمريكية، وحوّل ذكراهما إلى رمز تعبوي وسياسي للمقاومة....

في ليلةٍ هادئةٍ من ليالي بغداد، تحت ظلام دامس يخترقه أضواء مطارها الدولي، كان موكبان يتجهان في مسارين متقاربين نحو مصيرٍ واحدٍ، مُحدَّدٍ سلفاً في غرف عمليات على بعد آلاف الأميال. كانت ساعة الصفر الثالث من يناير  كانون الثاني 2020. عندما انطلقت صواريخ “هيلفاير” من طائرة مسيرة أمريكية “إم كيو-9 ريبر”، لتُحيل السيارتين إلى كرة نارٍ مُشعة، تُعلن عن اختطافٍ مدوٍّ لجثمانَي رجلين شكّلا ركنين أساسيين في “حرب الظل” الإقليمية. لم يكن اغتيال  الشهيد الجنرال قاسم سليماني والشهيد أبو مهدي المهندس مجرد ضربة عسكرية بل زلزالاً جيوسياسياً نقل الصراع بين واشنطن وطهران من حالة الاشتباك بالوكلاء إلى حافة الهاوية المباشرة.

الشهيد الجنرال سليماني 

ليس مجرد قائد عسكري، بل كان مهندساً استراتيجياً استثنائياً، ينسج خيوط “المقاومة بخبرة قائد ميداني كبير. كانت يداه تُحركان قطعاً على رقعة تمتد من دمشق إلى صنعاء، مروراً ببغداد وبيروت. هو الرابط الشخصي بين طهران وقادة المقاومة، والمشرف المباشر على معارك البقاء في سوريا، والحائز على ولاءاتٍ شخصيةٍ نادرة. اغتياله لم يستهدف رجلاً، بل استهدف فكرة كاملة ،انها فكرة “المقاومة والمحور” التي جسّدها. يعتبر وجوده في بغداد، خارج إيران، رسالة بحد ذاتها ،فقُتِلَ في ذروة تألقه، حين كان الوسيط الأبرز بين إيران وحلفائها العراقيين في لحظة توتر غير مسبوقة مع واشنطن.

الشهيد ابو مهدي المهندس

العرّاب الذي جسّد التداخل والجسر الممتد بين قيادتي  المقاومة من طهران الى بغداد ،لم يكن قائدًا تقليدياً، بل كان استراتيجياً لوجستياً وسياسياً محنكاً. كونه نائباً في البرلمان العراقي ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي جعله تجسيداً حياً للتداخل العضوي بين الدولة العميقة وفصائل المقاومة ، يُلقب بـ “الدماغ العملياتي”، وابنائه في الحشد الشعبي يطلقون عليه لقب “الشايب “لحبهم الشديد له ،كانت علاقته بسليماني أشبه بعلاقة التلميذ النجيب بالأستاذ، أو شريكيْن في مشروع مصيري. قتلهما معاً  اًعتِبر  ضربة مزدوجة الهدف شلّت العقل الإستراتيجي (سليماني) والعقل التنفيذي المحلي (المهندس) في آن واحد.

وبين دوي الصواريخ وصمت القبور جاء الرد الإيراني سريعاً ومُحسوباً. ضربت صواريخ “فجر” و”قدر” قاعدة عين الأسد الأمريكية في الأنبار، في ضربة استعراض قوة أكثر منها بهدف إحداث خسائر بشرية جماعية. لكن الرد الحقيقي كان أكثر بطئاً وعمقاً وشهدت الاشهر التاليه تكثيف حرب الاستنزاف وتصاعداً غير مسبوق في هجمات فصائل المقاومه على القوات الأمريكية في العراق، وصولاً إلى الضغوط السياسية التي أفضت إلى تصويت البرلمان العراقي على خروج القوات الأجنبية. لقد حوّل الاغتيال التوتر إلى عداء صريح، وحوّل الحشد الشعبي وقوى “المقاومة” من فصائل تعمل في الظلال إلى قوى تفرض إرادتها على طاولة المفاوضات السياسية في بغداد ،وبعد أكثر من أربع سنوات، تظهر النتائج بصور متناقضة. من ناحية، نجح الاغتيال في إزالة أهم رأسين في سلم القيادة لكنه، من ناحية أخرى، قد يكون قد قدّم لطهران هدية ثمينة ،استشهاداً كبيراَ في مزيته فتحوّل اغتيال الشهيد سليماني إلى أيقونة شعبية جارفة، وأصبحت ذكراه سلاحاً دعائياً وتعبوياً لا يُقَدَّر بثمن. كما أدى الحدث إلى تسريع وتيرة انسحاب الولايات المتحدة من العراق عملياً، ودفع بإيران وحلفائها إلى موقع المُطالِب بحساب، لا المدافع عن وجوده.

فالاغتيال لم ينهِ لعبة، بل أعاد كتابة قواعدها. لقد نقل الصراع من الخنادق الخفية إلى وضح النهار، حيث أصبح كل طرف يتحرك في دائرة من توقعات الانتقام والرد. ليلة الثالث من يناير لم تكن نهاية قصة، بل كانت بداية فصل جديد، أكثر خطورة وتعقيداً، في حرب لم تُعلَن رسمياً، لكن ضحاياها الحقيقيون يدفعون الثمن كل يوم في ساحات الصراع المنسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *