تمثل حكومة تصريف الأعمال في النظام الدستوري العراقي حالة استثنائية مؤقتة، تنشأ بحكم الواقع الدستوري عند انتهاء ولاية مجلس النواب، أو حلّه، أو فقدان الحكومة لثقة البرلمان. وهي حالة لا تعبّر عن انتقال طبيعي للسلطة، بل عن فراغ مؤقت يُدار بحدود ضيقة إلى حين استعادة الشرعية البرلمانية الكاملة.
ورغم عدم وجود نص دستوري صريح يُعرّف حكومة تصريف الأعمال تعريفًا مباشرًا، إلا أن قراءة متكاملة لأحكام الدستور، ولا سيما المواد (61 و64 و76)، فضلًا عن مبدأ التداول السلمي للسلطة، تُنتج بالضرورة تقييدًا تلقائيًا لصلاحيات السلطة التنفيذية. فغياب البرلمان الفاعل لا يمنح الحكومة صلاحيات أوسع، بل يفرض عليها مزيدًا من التحفّظ الدستوري في ممارسة الاختصاص.
الرأي التفسيري للمحكمة الاتحادية العليا لعام 2025
مضمون الرأي التفسيري (2025)
في عام 2025 أصدرت المحكمة الاتحادية العليا رأيًا تفسيريًا ملزمًا حسم الجدل الدستوري المتعلق بلحظة انتهاء الولاية البرلمانية وأثرها المباشر على وضع الحكومة. وقد قررت المحكمة أن ولاية مجلس النواب تنتهي فعليًا من تاريخ إجراء الانتخابات العامة، وليس من تاريخ المصادقة على النتائج أو انعقاد المجلس الجديد.
وبانتهاء الولاية التشريعية، تتحول الحكومة القائمة تلقائيًا إلى حكومة تصريف أعمال، دون حاجة إلى قرار سياسي أو إداري، لأن هذا التحول يُعد أثرًا دستوريًا مباشرًا. كما أكدت المحكمة أن صلاحيات حكومة تصريف الأعمال تقتصر على تصريف الأمور اليومية الضرورية، ولا تمتد إلى اتخاذ قرارات ستراتيجية أو سياسية أو مالية طويلة الأمد، لما في ذلك من مساس مباشر بمبدأ الشرعية الديمقراطية.
القيمة الدستورية للرأي التفسيري
استنادًا إلى نص المادة (94) من الدستور، التي تقضي بأن «قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة»، فإن الرأي التفسيري الصادر عام 2025 اكتسب قيمة دستورية ملزمة، ولم يعد مجرد اجتهاد قضائي قابل للتجاوز أو التأويل السياسي.
وبذلك أصبح هذا التفسير قيدًا دستوريًا واجب الاحترام من جميع السلطات، ومرجعًا حاسمًا لتحديد مشروعية أي قرار يصدر عن الحكومة بعد إجراء الانتخابات العامة، سواء تعلق الأمر بالسياسات العامة أو بإدارة المال العام.
تقييم قرارات الحكومة المنتهية ولايتها في ضوء تفسير 2025
-
الواقع العملي للقرارات الحكومية
على الرغم من وضوح الرأي التفسيري للمحكمة الاتحادية، استمرت حكومة تصريف الأعمال في عقد اجتماعات موسعة لمجلس الوزراء، وإصدار قرارات ذات طابع اقتصادي ومالي عام، فضلًا عن إطلاق خطط وبرامج حكومية متوسطة وبعيدة الأمد. كما لجأت إلى الاستعانة برؤى المستشارين والخبراء بوصفها بديلًا غير دستوري عن التفويض البرلماني الغائب.
-
الإشكال الدستوري الجوهري
تشكل هذه الممارسات تجاوزًا صريحًا للرأي التفسيري لعام 2025، وتحايلاً واضحًا على القيد الدستوري المفروض على الحكومة المنتهية ولايتها. وهي في جوهرها اغتصاب غير مباشر للاختصاص التشريعي، يحوّل حكومة تصريف الأعمال من سلطة تنفيذية مؤقتة محدودة الصلاحيات إلى سلطة تقرير سياسي بلا تفويض انتخابي.
انتهاك مبدأ الفصل بين السلطات
-
الأساس الدستوري
يقوم مبدأ الفصل بين السلطات، كما نصت عليه المادة (47) من الدستور، على التوازن والرقابة المتبادلة وعدم تركيز السلطة بيد جهة واحدة، بما يضمن عدم انفراد أي سلطة باتخاذ قرارات مصيرية دون رقابة دستورية.
-
الانتهاك المتحقق
عندما تمارس حكومة تصريف الأعمال رسم السياسات العامة، أو إدارة المال العام دون رقابة برلمانية، أو اتخاذ قرارات ذات أثر دائم، فإنها تُفرغ السلطة التشريعية من دورها، وتُعطّل الرقابة الديمقراطية، وتُخلّ بالتوازن الدستوري. ويُعد هذا السلوك انتهاكًا مركبًا للدستور، وليس مجرد مخالفة إجرائية عابرة.
مشروعية القرارات الصادرة وجدواها القانونية
-
من حيث المشروعية
استنادًا إلى تفسير المحكمة الاتحادية لعام 2025، فإن كل قرار يتجاوز نطاق «الأمور اليومية الضرورية» يُعد قابلاً للطعن بعدم الدستورية، ويمكن إبطاله لتجاوز الاختصاص، مهما كانت الذرائع السياسية أو الإدارية المصاحبة له.
-
من حيث الجدوى العملية
حتى القرارات التي جرى تنفيذها فعليًا تفتقر إلى الاستقرار القانوني، وتُقيّد الحكومة اللاحقة دون تفويض دستوري، وتخلق فوضى تشريعية وإدارية، كما تُحمّل الدولة التزامات غير مشروعة على المدى المتوسط والبعيد.
يمكن تلخيص الموقف الدستوري في المعادلة الآتية:
حكومة تصريف أعمال + قرارات ستراتيجية = خرق دستوري مؤكد
وإن الرأي التفسيري للمحكمة الاتحادية لعام 2025 قد أغلق باب الاجتهاد السياسي، وحدد نطاق السلطة التنفيذية بدقة، وجعل أي تجاوز لذلك مسؤولية دستورية مباشرة.
فحكومة تصريف الأعمال ليست حكومة ظل، ولا سلطة انتقالية مفتوحة، ولا بديلًا عن البرلمان، بل هي وظيفة مؤقتة محدودة الغاية، لا مجال فيها للتوسع أو التأويل.
وأي خروج عن هذا الإطار يُعد انتهاكًا صريحًا للدستور، وإفراغًا لمبدأ تداول السلطة من مضمونه الحقيقي.


