السدود في العراق:من هدر السيول إلى تحقيق الأمن المائي – رؤية للحلول واستغلال الفرص الضائعة

السدود في العراق:من هدر السيول إلى تحقيق الأمن المائي – رؤية للحلول واستغلال الفرص الضائعة
يواجه العراق أزمة مائية وجودية نتيجة شح الموارد والتغير المناخي، مقابل هدر السيول. ويُعدّ تبني استراتيجية وطنية لبناء السدود وحصاد المياه مدخلاً أساسياً لتحقيق الأمن المائي، والحد من الكوارث، ودعم التنمية المستدامة....

المقدمة:

يواجه العراق تحدياًوجودياً يتمثل في شح الموارد المائية وتزايد الضغوط على مصادرها التقليدية (دجلة والفرات) بسبب السدود المنشأة في الدول المجاورة والتغيرات المناخية. في المقابل، يهدر العراق سنوياً مليارات الأمتار المكعبة من مياه الأمطار والسيول التي تذهب سدى إلى البلدان المجاورة أو تتحول إلى فيضانات مدمرة. لذا، فإن تبني استراتيجية وطنية طارئة لبناء السدود والخزانات يمثل حلاً أساسياً لتحقيق الأمن المائي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

الوضع المائي الراهن في العراق (التحديات):

  1. تردي حصة العراق من المياه المشتركة: أدى إنشاء سدود كبرى في تركيا (سد إليسو) وإيران (سدود على روافد نهر سيروان والكارون) إلى انخفاض حصة العراق من المياه بأكثر من 50% مقارنة بالعقود الماضية.
  2. التغير المناخي: تزايد فترات الجفاف وتقلص معدلات الهطول المطري، مقابل زيادة وتيرة وشدة العواصف المطرية المفاجئة التي تتحول إلى سيول مدمرة (كما حصل في عدة محافظات).
  3. الهدر الكبير لمياه الأمطار والسيول: تُهدر كميات هائلة من المياه بسبب عدم وجود بنية تحتية كافية (سدود تخزينية، بحيرات اصطناعية، سدود حصادية) لتجميعها وتخزينها. تتجه هذه المياه إلى الأراضي المنخفضة (كهور الحويزة وأهوار الجنوب) أو إلى دول مجاورة مثل إيران والكويت والسعودية دون استفادة تذكر.
  4. تدني إدارة الموارد المائية: يعاني القطاع من مشاكل تراكمية تشمل تملح الأراضي، تدهور نوعية المياه، وتهالك شبكات الري.

الفوائد والضرورات الاستراتيجية لبناء السدود والخزانات:

  1. ضمان الأمن المائي: تخزين المياه في مواسم الفيضان والشتاء لاستخدامها في مواسم الصيف والجفاف، مما يؤمن مياه الشرب والزراعة على مدار العام.
  2. الحد من الكوارث الطبيعية: التحكم في جريان المياه والسيول والوقاية من الفيضانات المدمرة التي تجرف الأراضي الزراعية والبنى التحتية وتشرد السكان.
  3. تنمية الزراعة: توفير مصدر مائي مستقر وزيادة المساحات الزراعية المروية، مما يحقق الأمن الغذائي ويزيد من الإنتاج المحلي ويوفر فرص عمل.
  4. توليد الطاقة الكهربائية: يمكن لبعض السدود الكبرى والمتوسطة أن تُحول إلى محطات لتوليد الطاقة الكهرومائية النظيفة، مما يساهم في حل أزمة الكهرباء المزمنة.
  5. تنشيط الثروة السمكية: إنشاء بحيرات صناعية ثابتة يدعم تربية الأسماك ويخلق فرص استثمارية جديدة.
  6. دعم السياحة البيئية: يمكن أن تصبح البحيرات والسدود مناطق جذب سياحي وترفيهي، كما هو الحال في سد دربندخان وسد حمرين.
  7. إعادة تغذية المياه الجوفية: تساعد الخزانات والسدود على ترشيح المياه وتغذية الخزانات الجوفية المهمة.
  8. تنمية المناطق المحرومة: غالباً ما تُبنى السدود في مناطق جبلية أو نائية، مما يستدعي بناء بنى تحتية وخدمات وينعش اقتصاد تلك المناطق.

نماذج ناجحة يمكن الاستفادة منها داخل العراق:

.سدود إقليم كردستان: مثل سد دوكان وسد

دهوك، والتي ساهمت بشكل كبير في تأمين المياه وتوليد الكهرباء للمنطقة.

  • سد حمرين: الذي لعب دوراً حاسماً في تنظيم تدفق نهر ديالى وتأمين المياه لمحافظات عدة.

التوصيات الموجهة إلى الحكومة العراقية ووزارة الموارد المائية:

  1. وضع خطة وطنية عاجلة: إعداد “الخطة الوطنية العاجلة لاستدامة المياه” تركز على مشاريع الحصاد المائي وبناء السدود، مع تحديد أولويات جغرافية وزمنية واضحة.
  2. إعداد الدراسات الفنية الشاملة: إجراء مسوحات جيولوجية وهيدرولوجية دقيقة يقصد بها ( دراسة وقياس خصائص المسطحات المائية (بحار، أنهار، بحيرات، مياه جوفية) بهدف توفير بيانات أساسية للملاحة البحرية، وحماية البيئة لتحديد أفضل المواقع لبناء السدود (الكبيرة والمتوسطة والصغيرة) والخزانات والبحيرات الاصطناعية، خاصة في المناطق الغربية والصحراوية والمحافظات التي تتعرض للسيول.
  3. تخصيص الموارد المالية: اعتماد ميزانيات استثنائية في قانون الموازنة العامة لهذه المشاريع، والبحث عن تمويل من خلال:
  • الصندوق الوطني للأمن المائي.
  • القروض والمنح الدولية (من البنك الدولي، الأمم المتحدة، دول صديقة).
  • شراكة القطاع الخاص عبر مشاريع (BOT) أو (BOO)) يقصد به (المستثمر الخاص ).
  1. الاعتماد على الخبرات الوطنية: توظيف الكفاءات العراقية في مجال الهندسة المدنية والهيدرولوجيا، مع الاستعانة بالخبرات الدولية للاستشارات في المشاريع الضخمة.
  2. بناء السدود الصغيرة والحصاد المائي المجتمعي: تشجيع المزارعين والمجتمعات المحلية في المناطق الريفية على بناء سدود صغيرة وحفائر ترابية عبر تقديم الدعم الفني والمالي، مما يخفف العبء عن المشاريع الكبرى.
  3. تعزيز التعاون الإقليمي: مواصلة الحوار الدبلوماسي مع دول الجوار (تركيا وإيران) لضمان الحصص المائية العادلة، مع التوثيق بالمشاريع الداخلية كرافع قوة في المفاوضات.
  4. الحملات التوعوية الإعلامية: نشر الوعي بين المواطنين حول أهمية ترشيد استهلاك المياه وضرورة دعم مشاريع السدود كقضية وطنية مصيرية.
  5. إنشاء مركز وطني للإنذار المبكر والسيطرة على الفيضانات: يعتمد على التقنيات الحديثة والطقس للتنبؤ بموجات الأمطار والسيول وإدارة منسوب المياه في السدود بكفاءة.

الخاتمة:

لم يعد أمام العراق خيارٌإلا تبني ثقافة “حصاد كل قطرة ماء”. إن بناء السدود والخزانات لم يعد مشروعاً تنموياً فاخراً، بل هو ضرورة حتمية للبقاء والاستقرار. فهو استثمار في مستقبل الأجيال القادمة، يحمي البلاد من الجفاف والفيضانات معاً، ويحول التحدي المائي إلى فرصة حقيقية للتنمية المستدامة. على الحكومة ووزارة الموارد المائية تحمل مسؤوليتها التاريخية والتحرك بجدية وإرادة سياسية حقيقية لتنفيذ هذه المشاريع الحيوية قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *