المقدمة:
تتمدّد محرقة الحرب بين روسيا وأوكرانيا لتصل إلى شباب العراق الذين أصبحوا هدفاً لبيجات مجهولة ومافيات عابرة للحدود، تستغل فقرهم وبطالتهم وتحاول جرّهم إلى جبهات قتال لا علاقة للعراق بها. إنّها حربٌ شرسة وطويلة، لا مصلحة لأبنائنا فيها، ويجب على الدولة أن تتحرك قبل أن نخسر المزيد من شبابنا في مطحنة خارج حدود الوطن.
هذه ليست حربنا. هذه ليست معركتنا.
أولاً: حرب لا تخصّ العراق… ومغريات قاتلة
في ظل غياب الفرص وتفاقم البطالة، ظهرت شبكات تجنيد إلكترونية تقدّم نفسها كوسيط للسفر والعمل، لكنها في الحقيقة تعمل لصالح أطراف الحرب، مستغلة حاجة الشباب عبر إغراءات الحصول على الجنسية الروسية أو الأوكرانية، والزواج، والاستقرار.
هذه المغريات ليست سوى طُعم، فالحرب هناك طويلة، والجيشان يبحثان عن “الحطب” لإدامة المعركة.
ثانياً: دهاء بوتين ورهانات زيلينسكي… وسعي الطرفين لخزانات بشرية
روسيا تدرك أنها أمام حرب استنزاف صُممت مراحلها بذكاء من قِبل الولايات المتحدة وحلف غربي واسع، هدفه إنهاك القوة الروسية عبر الزمن.
ولأن بوتين يمتلك دهاء الثعلب وشراسة الذئب، فهو يبحث عن خزانات بشرية مُدرَّبة، موجِّهاً عينه إلى بلدان تعاني من الفقر والبطالة مثل العراق.
وفي الجهة المقابلة، يحاول زيلينسكي عبر دعم غربي كبير تعويض نزيف قواته، فيستقطب مقاتلين أجانب بالطريقة نفسها، وبالإغراءات ذاتها.
ثالثاً: روسيا وأوكرانيا… كلتاهما تبحثان عن مصالحهما فقط
تاريخياً، لم تكن روسيا ولا أوكرانيا دولاً تعمل وفق شعارات أخلاقية أو تحالفات ثابتة؛ بل وفق مصالح قومية بحتة.
وفي سجلّهما الكثير مما يثبت تقلب المواقف:
– روسيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بقيام دولة إسرائيل عام 1948 رغم ادعائها دعم العرب، وقدّمت تسهيلات هجرة لليهود السوفييت، ما ساهم بشكل مباشر في تعزيز القوة البشرية للدولة الجديدة.
– في أكثر من محطة تاريخية، خذلت موسكو الحلفاء العرب، فمواقفها تراوحت بين الدعم الإعلامي والتسليح المحدود، دون الالتزام الحقيقي عند اللحظات الحاسمة.
– أمّا أوكرانيا، فقد صوّتت مراراً في الأمم المتحدة ضد مصالح العرب، وكانت في كثير من الأحيان أقرب للمواقف الغربية التقليدية الداعمة لإسرائيل.
الخلاصة: الدولتان تتحركان وفق مصالحهما أولاً… ولا تباليا بمن يُستخدم وقوداً لحروبهما.
رابعاً: واجب الدولة العراقية تجاه أبنائها
إن التحدي الأكبر ليس فقط في نشاط شبكات التجنيد، بل في ضعف البيئة الاقتصادية التي تدفع أبناءنا نحو الهجرة أو المغامرة.
وعليه، فإن حماية شباب العراق تتطلب:
- ملاحقة البيجات والمكاتب الوهمية التي تعمل على تجنيد الشباب.
- منع توسع العمالة الأجنبية التي تبتلع فرص العمل.
- إطلاق برنامج تأهيل مهني حقيقي مرتبط بسوق العمل داخل العراق.
- منح مصرف جيب شهري لكل شاب بلغ 18 عاماً وغير قادر على العمل، ريثما يتم تدريبه وتأهيله.
- وضع استراتيجية إعلامية وطنية تكشف حقيقة تلك المغريات وتوضح حجم الخطر.
الخاتمة:
شباب العراق هم درع الوطن وسنده وقوته التي لا تعوّض. لقد واجهوا داعش وانتصروا، وحموا الأرض بدمائهم. وما يجري اليوم من محاولات لجرّهم إلى حرب ليست حربهم هو تهديد خطير يجب التصدي له بكل قوة ومسؤولية. لا تتركوا أبناء العراق وقوداً لصراعات الآخرين. لا تتركوا الفقر وقوداً لموتٍ مجاني في أرض بعيدة. لا تتركوا الوطن بلا درعٍ يحميه. حمايتهم واجب وطني وأخلاقي… ومسؤولية دولة يجب ألا تتأخر.


