تآكل استراتيجية تمرير المسؤولية في السياسة الخارجية الايرانية بعد التحولات الاقليمية

تآكل استراتيجية تمرير المسؤولية في السياسة الخارجية الايرانية بعد التحولات الاقليمية
يعرض النص استراتيجية «تمرير المسؤولية» لدى إيران وتطورها تاريخياً، ويبيّن كيف كسرت أحداث 7 أكتوبر منطق التحكم والإنكار المعقول، ومع سقوط النظام السوري واغتيال قيادات، تقلّصت فاعليتها وارتفعت كلفتها واحتمالات الانزلاق لمواجهة مباشرة....

في بادئ الامر, من الضروري ان نعرف استراتيجية تمرير المسؤولية(Passing the buck strategy)، التي وضحها استاذ العلاقات الدولية جون ميرشايمرJohn Mearsheimer، صاحب النظرية الواقعية الهجومية التي تجسدت في كتاب مأساة سياسة القوى العظمى, والتي عدت كرد على المنطلقات الفكرية للواقعية الدفاعية لكنيث والتز Kenneth Waltz.

حيث اشار ميرشامر اليها بانها من الاستراتيجيات التي قد تلجأ اليها القوى العظمى المهددة كبديل عن فرض التوازن, وتحاول القوى العظمى هنا ان تجعل دولة اخرى تتحمل عبء ردع المعتدي او حتى قتاله فيما تظل هي في مأمن.(1)

تاريخياً, ايران استخدمت استراتيجية تمرير المسؤولية؛ لأنها لم تكن لديها القدرة العسكرية التقليدية او التفوق التكنولوجي لمواجهة (اسرائيل) بشكل مباشر, وهذا احد اهم الاسباب التي دفعت طهران لتوظيف بدائل غير مباشرة عبر وكلاء في منطقة الشرق الاوسط للحد من الكلفة المباشرة وللتحكم في التهديد الاسرائيلي دون مواجهة مفتوحة.

كما لعب المتغير الاقليمي دوراً حاسماً في تشجيع ايران على تبني استراتيجية تمرير المسؤولية الى الاخرين, فبعد نهاية الحرب العراقية الايرانية ادركت طهران كلفة المواجهة المباشرة, وقد تزامن مع هذا الادراك تحولات بنيوية وفرت لإيران البيئة المناسبة للصراع غير المباشر واهمها سقوط نظام صدام حسين عام 2003, واحداث الربيع العربي بعد العام 2011, وهو خيار عقلاني من طرف ايران لإدارة صراعها الاقليمي مع خصومها المتفوقين عليها عدة وعدد.

كما نستطيع تلخيص مراحل تطور استخدام ايران لاستراتيجية تمرير المسؤولية بالتالي:

1- مرحلة الانتشار المبكر: وهي مرحلة بدأت منذ اوائل الثمانينات عندما دعمت ايران حزب الله اللبناني في الوقت الذي شهدت به لبنان غزواً من قبل (اسرائيل) في العام 1982.(2)

2- مرحلة ما بعد 2003: بعد غزو العراق واسقاط نظام صدام حسين في العام 2003, وسعت ايران شبكتها من الوكلاء ليشمل فصائل شيعية في العراق مثل منظمة بدر وكتائب حزب الله وجيش المهدي وغيرها, كما سعت طهران الى دعم قادة سياسيين لكي تضمن سيطرتها على وظائف استراتيجية مهمة مثل وزارة الداخلية العراقية.(3)

3- مرحلة الحرب السورية: منذ بداية الحرب الاهلية في سوريا عام 2011 وحتى سقوط نظام بشار الاسد, وفرت ايران دعماً غير محدود للنظام السوري لمحاربة الفصائل المعارضة له, وهو ما رفع وتيرة تبعية النظام السوري لإيران. وان هدف ايران من هذه السياسة هي دعم مشروعها الاستراتيجي الذي يتمثل في وضع ممر بري يخترق الارض العراقية ثم شمال شرق سوريا الى حلب وحمص لينتهي بعد ذلك بميناء اللاذقية.(4)

4- مرحلة توسع الشبكات الوكيلة: سعت ايران خلال هذه المرحلة الى اعادة تشكيل التوازن الاقليمي في الشرق الاوسط بصورة اكثر جدية, وذلك عبر دعمها الاستراتيجي لكل من حزب الله اللبناني وحماس والحوثيين لا سيما بعد ثورات الربيع العربي, على اعتبار ان ايران دولة تعديلية او متحدية للنظام الاقليمي, فلا اقتصادها ولا قدرتها العسكرية التقليدية قادرة على المواجهة المباشرة مع اسرائيل المدعومة غربياً او مع الدول العربية التي تغيرت انظمها السياسية بعد الربيع العربي.

7/اكتوبر وكسر منطق التحكم بالوكلاء

ساهمت أحداث 7 أكتوبر في كسر منطق التحكم الإيراني بالوكلاء لأنها أظهرت حدود القدرة على ضبط توقيت ومستوى التصعيد عندما يتحول الوكيل من أداة ردع مُدارة إلى فاعل يمتلك حساباته الخاصة, فالعملية التي نفذتها حماس لم تكن منسجمة مع منطق (التصعيد المحسوب) الذي اعتمدته إيران تاريخياً، بل دفعت الصراع إلى مستوى استراتيجي واسع، نقل الضغط فوراً من الوكيل إلى الراعي. ومع اتساع الرد الإسرائيلي واحتمال توسع الحرب إقليمياً، وجدت إيران نفسها أمام معضلة حقيقية: إما التدخل وتحمل كلفة المواجهة المباشرة، أو ضبط الوكلاء علنا بما يضر بصورة الردع. بذلك كشفت 7 أكتوبر أن شبكة الوكلاء لم تعد تعمل دائما كأدوات طيّعة بيد المركز، بل كفاعلين قد يفرضون على الراعي صراعات لم يختر توقيتها ولا كلفتها.

فشل سياسة الانكار المعقول

فشلت سياسة الإنكار المعقول؛ لأن أحداث 7 أكتوبر جعلت الفصل بين الفاعل الميداني والراعي الاستراتيجي غير قابل للتصديق سياسياً واستخباراتياً. تاريخياً، كانت إيران تعتمد على الغموض والوساطة غير المباشرة لتجنّب تحميلها المسؤولية عن أفعال الوكلاء، لكن بعد 7 أكتوبر بات حجم العملية، وتداعياتها الإقليمية، وطبيعة شبكة الدعم القائمة، كافيا لربط الفعل مباشرة بالبنية الاستراتيجية التي تقودها طهران. ومع اتساع رقعة التصعيد وتزامن التحركات في أكثر من ساحة، لم يعد الإنكار مقنعا لا للخصوم ولا للحلفاء، فتحول من أداة لتخفيف الكلفة إلى عامل ضغط سياسي وأمني على إيران، وأسهم في كشف حدود قدرتها على إدارة الصراع من الخلف دون تحمل تبعاته المباشرة.

سقوط النظام السوري ونهاية المسرح الأمن

شكل سقوط النظام السوري نهاية ما يمكن تسميته بـ «المسرح الآمن» الذي اعتمدت عليه إيران لعقود في إدارة صراعها غير المباشر مع إسرائيل، لأن سوريا لم تكن مجرد حليف سياسي، بل حيزاً جغرافياً عازلاً يسمح بتمرير السلاح، وتحريك الوكلاء، وتنفيذ عمليات دون جر إيران إلى مواجهة مباشرة. ومع انهيار هذا المسرح، فقدت طهران القدرة على الفصل بين ساحة الاشتباك ومركز القرار، فأصبحت أي عملية أو تصعيد مرتبط بها مكشوفًا جغرافياً واستخباراتياً. وان هذا الانكشاف تزامن مع الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، حيث لم تعد المواجهة تُدار عبر ساحات وسيطة مريحة، بل اقتربت من منطق الاشتباك المباشر أو شبه المباشر، ما ضاعف كلفة التصعيد وقلص هامش المناورة الإيرانية. وبهذا المعنى، فإن سقوط النظام السوري لم يُضعف فقط أدوات تمرير المسؤولية، بل أسهم في دفع الصراع الإيراني – الإسرائيلي من نموذج الحرب بالوكالة إلى مرحلة أكثر خطورة وأقل قابلية للاحتواء.

هل ما زالت استراتيجية تمرير المسؤولية ممكنة؟

ما زالت استراتيجية “تمرير المسؤولية إلى الآخرين” ممكنة لإيران، لكن ضمن نطاق أضيق بكثير وبفاعلية أقل، لأن الشروط التي كانت تجعلها “مريحة” تآكلت بفعل ثلاث ضربات متزامنة: سقوط النظام السوري (ديسمبر/كانون الأول 2024) الذي أنهى “المسرح الآمن” الذي كانت تُدار عبره شبكة الإسناد والتموضع بعيدا عن مركز القرار الإيراني، وجعل خطوط الحركة والإنكار والتمويه أكثر صعوبة. ثم استشهاد (حسن نصر الله) 27 سبتمبر/أيلول 2024 الذي أصاب أكثر وكلاء إيران انضباطاً وخبرة في “الردع المحسوب” وأضعف قدرة حزب الله على لعب دور الوكيل القادر على امتصاص الصدمات دون جر الراعي إلى الواجهة. وإلى جانب ذلك، فإن اغتيال (إسماعيل هنية) في طهران 31 يوليو/تموز 2024واستشهاد (يحيى السنوار) 16أكتوبر/تشرين الأول 2024 مع خسائر أخرى في القيادات، كشف هشاشة “سلسلة القيادة والسيطرة” لدى بعض الوكلاء: فإما وكلاء أقوياء يصعب ضبط إيقاعهم، أو وكلاء تتراجع قدرتهم على الحركة مع ارتفاع الاستهداف.

وبهذا المعنى تصبح الاستراتيجية محدودة التأثير لأنها باتت أعلى كلفة وأكثر انكشافًا, فكل تصعيد عبر الوكلاء يُترجم بسرعة إلى ضغط مباشر على إيران، ويقلّل مساحة “الإنكار المعقول” ويزيد احتمال الانزلاق إلى اشتباك مباشر أو شبه مباشر. وفي الخلفية، ساهمت سياسة إسرائيل في استهداف القيادات (استراتيجية قطع الرأس) بوصفها نهجًا عملياتياً لتفكيك مراكز القرار والربط داخل الشبكات في خفض مرونة الحركة لدى حماس وحزب الله مؤقتًا ورفع كلفة إعادة التنظيم، وهو ما يفسر لماذا لم تعد تمرير المسؤولية أداة ردع مضمونة كما كانت، بل خيارا تكتيكياً هشاً يوفّر لإيران بعض النفوذ لكنه لا يعزلها عن تبعات الصراع كما في السابق, ويبقى هذا الوضع مرهوناً بمدى قدرة وسرعة وكلاء ايران على امتصاص ازماتها, وتعويض خسائرها الاخيرة ولا سيما على مستوى القيادات.

الهوامش

(1) ينظر: جون ميرشايمر, مأساة سياسة القوى العظمى, ترجمة: د. مصطفى محمد قاسم, النشر العلمي والمطابع- جامعة الملك سعود, المملكة العربية السعودية, 2012, ص200.

(2) Iran–Israel proxy conflict .

(3) Abdul Samad & Erum Naz، Iran’s Proxy Strategy: Militant Networks and Regional Influence in the Middle East، SSRG International Journal of Humanities and Social Science، Vol. 12, No. 1، 2025 ، p4.

(4) وليد محمد ربيع, عشر سنوات من التدخل الايراني في سوريا, المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية, المجلد الثالث عشر, العدد الاول, يناير 2022, ص35.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *