ايران ليست فنزويلا ثانية: الصراع الامريكي – الايراني بين المراوحة والتفاوض واحتمال الحرب المفتوحة

ايران ليست فنزويلا ثانية الصراع الامريكي – الايراني بين المراوحة والتفاوض واحتمال الحرب المفتوحة
يتناول النص جذور الصراع الأمريكي–الإيراني منذ 1979، مع التركيز على الملف النووي وتداعياته الجيوسياسية، ويطرح أربعة سيناريوهات محتملة للتوتر بين التصعيد المنضبط، الضربة المحدودة، المفاوضات، والحرب المفتوحة، وفق ميزان الضغوط الداخلية والخارجية....

ان الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية ايران يعزى الى تداخل جملة من العوامل التاريخية والسياسية والاستراتيجية والايديولوجية, اذ شكل سقوط نظام الشاه عام 1979 وانتصار الثورة الاسلامية في ايران, وما رافقه من تصاعد الخطاب المعادي لواشنطن نقطة تحول رئيسية في انطلاق مسار الصراع الامريكي الايراني في المنطقة.

ان مسالة البرنامج النووي الايراني ولا سيما وصول نسبة تخصيب اليورانيوم الى نحو 60%, تعد من اكثر القضايا التي تثير قلق الرؤساء الامريكيين, فقد شكلت احتمالية امتلاك ايران للسلاح النووي هاجساً في مختلف فترات الرئاسة الامريكية, اذ كانت كل ادارة تخشى ان يتحقق هذا الامر خلال ولايتها بما يشبه الكابوس السياسي والامني. ويبرز هذا القلق بشكل خاص منذ ولاية باراك اوباما عام 2008 وحتى الوقت الراهن غير, ان فتره حكم دونالد ترامب تعد الاكثر حساسية في هذا السياق اذ تصاعدت المخاوف بشكل ملحوظ بعد ان انسحب من الاتفاق النووي الايراني او ما يطلق عليهم “بصفقة ايران” في تاريخ 8 مايو 2018, الامر الذي ساهم في تعزيز التوتر مع ايران وكذلك مع القوى الاوروبية المشاركة في هذه الصفقة.

هل تعد ايران فنزويلا الثانية في سياق الصراع مع الولايات المتحدة؟

يلعب العامل الجغرافي – السياسي دوراً محورياً في تفسير تعقيد حالة الصراع الامريكي الايراني, حيث تتمتع ايران بموقع استراتيجي مهم يجعل اي توتر معها ذا انعكاسات اقليمية ودولية هامه على عكس حالات اخرى مثل فنزويلا التي ظل صراعها مع واشنطن محدود الاطر الجيوسياسية والاقتصادية.

ولا نبالغ اذا قلنا ان اي مواجهة مباشرة مع ايران تعني:

اولا: تهديد امن الملاحة العالمي.

ثانيا: عدم استقرار سوق الطاقة العالمي.

ثالثا: التأثير على التوازن العسكري في الشرق الاوسط.

شهدت المرحلة الحالية تصاعدا ملحوظا في الاستعدادات العسكرية الأمريكية, حيث عززت الولايات المتحدة وجودها البحري والجوي في المنطقة, ورفعت درجه الجاهزية لقواتها تحسبا لأي تصعيد محتمل. في المقابل اتجهت ايران الى استعراض قدراتها الصاروخية وتعزيز موقع حلفائها الاقليميين في اطار سياسة ردع تهدف الى ايصال رسالة فحواها ان اي مواجهة مباشره ستقابل برد واسع النطاق بما يرفع كلفة الصراع على واشنطن وحلفائها.

وفي ظل هذه التوترات, تعد اسرائيل لاعبا احتياطيا في معادلة الصراع على عكس دورها المباشر في حرب الاثني عشر يوما خلال يونيو 2025, اذ تعتمد واشنطن في هذه المرحلة على فائض القوة الامريكية, ثم دعم حليفتها اسرائيل في ادارة المواجهة مع ايران.

ان قرار الحرب او المفاوضات يبقى بيد الرئيس الامريكي ترامب بالدرجة الاساس, الا انه محكوم بجملة من الضغوط الداخلية والخارجية, ابرزها تداعيات فتح ملفات “ابستين” وضغط رئيس الوزراء الاسرائيلي “بنيامين نتنياهو”, وتصاعد الاحتقان والانتفاضات الداخلية, فضلا عن التوتر المتزايد مع بعض الحلفاء التقليديين, وهو ما ساهم في اطالة امد التوتر ودفع واشنطن مرحليا الى تفضيل خيار التفاوض. وفي المقابل تواجه ايران ضغوطا لا تقل حدة في مقدمتها تدهور الاوضاع الاقتصادية وما نتج عنه من احتجاجات ذات طابع شبه ثوري, الى جانب الضغوط الخارجية, الامر الذي يجعل خيار التفاوض خياراً اضطرارياً لا استراتيجياً.

وانطلاقا من هذا التساؤل حول ما اذا كانت ايران تعد “فنزويلا الثانية” في سياق الصراع مع الولايات المتحدة الامريكية, يمكن استشراف مجموعة من السيناريوهات المحتملة لمسار التوتر بين واشنطن وطهران في المرحلة المقبلة.

1- سيناريو المراوحة (التصعيد المنضبط)

يفترض هذا السيناريو استمرار وضع المراوحة الاستراتيجية, وهذا يعني عجز الاطراف المتنازعة من حسم الصراع بصورة نصر عسكري او التوصل الى تسوية سياسية شاملة. وضمن هذا المشهد ستعتمد واشنطن على فائض قوتها العسكرية في المنطقة وعلى حليفتها اسرائيل, اما ايران فهي كانت ولا زالت ناجحة في مناوراتها الدبلوماسية التي اكتسبتها من تجاربها السابقة في ملفها النووي. كذلك استمرار طرفي الصراع في اتباع (استراتيجية التصعيد لخفض التصعيد) اما من خلال التصريحات المتبادلة او ان تشهد مياه الخليج مناورات بحرية عسكرية. وضمن هذا المشهد يفترض ان تلجأ الولايات المتحدة الى تعزيز مستوى الضغط على الداخل الايراني عبر تجديد العقوبات الاقتصادية وتوسيع نطاقها مع الاستمرار في مسار التفاوض من موقع الاكراه والضغط, عبر رفع نبرة الخطاب العسكري والايحاء بإمكانية توجيه ضربه محدودة, الهدف منه ان يضع ايران امام معادلة تفاوضية تقوم على الضغط والردع في ان واحد.

2- سيناريو الضربة العسكرية المحدودة

كثيراً ما تتبنى الولايات المتحدة منطق (المعادلة الصفرية) في ادارة صراعاتها الدولية, وهو منطق يفترض ان مكسب طرف ما يقابله بالضرورة خسارة للطرف الاخر, ويستدل على ذلك بطبيعة تعاطيها مع الصراع مع ايران خلال حرب الاثني عشر يوما, اذ لو كانت الضربة العسكرية المحدودة آنذاك قد حققت نصرا استراتيجيا حاسما لواشنطن لما تجدد الصراع مرة اخرى, ولما عادت واشنطن الى التلويح بخيار توجيه ضربة عسكرية محدودة جديدة, غير ان هذا الادراك لا يعني سعي واشنطن الى حرب واسعة, اذ تدرك ان الضربة المحدودة قد لا تحقق حسماً نهائياً, لكنها قد تستخدم كاداه ضغط لدفع طهران الى طاولة المفاوضات مستفيدة ,من الضغوط الداخلية التي يمكن ان تعزز بفعل تلك الضربة.

3- سيناريو المفاوضات

ان الذهاب الى المفاوضات هو اقرار ضمني بان كلفة الاستمرار في الصراع باتت تفوق كلفة تقديم تنازلات محسوبة, وان ادارة الازمة عبر التسوية المرحلية اصبحت خيارا عقلانيا مقارنة بخيارات التصعيد المفتوح.

يرتكز الطرح التفاوضي الامريكي على وقف تخصيب اليورانيوم بنسبة متقدمة ومعالجة مخزون الـ60% عبر ترتيبات تضمن عدم توظيفه عسكريا, الى جانب ادراج  البرنامج الصاروخ الايراني ضمن اطار القيود, مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات. في المقابل تسعى ايران الى حصر التفاوض في الاطار النووي التقني, مع رفض ادراج برنامجها الصاروخي والتحفظ على نقل مخزون الـ 60% الى دولة ثالثة, بوصفه ورقة قوة تفاوضية. ويعكس هذا التباين فجوة جوهرية بين طرفي الصراع ما يجعل مألات التفاوض مرهونة بميزان الضغوط الداخلية والخارجية, فأما تسوية تميل لصالح واشنطن او تفاهمات تمنح طهران هامش احتفاظ اكبر بأوراق قوتها.

4- سيناريو الحرب المفتوحة

يعد هذا السيناريو الاكثر تشاؤما من بين السيناريوهات السابقة, وهو يرى ان مصير هذا الصراع هو الانزلاق الى مواجهة عسكرية شاملة تتجاوز التصعيد المنضبط, ليتحول الى صدام مباشر واسع النطاق.

يرتكز هذا السيناريو على مجموعة من الاحتمالات, اهمها: رفع مستوى التصعيد العسكري والسياسي بين طرفي الصراع لا سيما بعد وصول المفاوضات الى طريق مسدود, كما ان تغيير العقيدة العسكرية الايرانية من الدفاعية الى الهجومية والتي اعلن عنها رئيس اركان الجيش الايراني “عبد الرحيم موسوي” لها دور مهم في تعزيز مثل هكذا مشهد.  كما ان هنالك احتمالات اخرى تدعم هذا المشهد وهي:-

أ- خطأ في الحسابات يحول ضربة محدودة الى تصعيد اوسع.

ب- ضغوط في الداخل الايراني تدفع القيادة الايرانية الى الخيار العسكري, لكن هذا الاحتمال يبقى بعيداً؛ بسبب التدهور الاقتصادي والارهاق المجتمعي بسبب العقوبات…الخ,  الا انه هذا الاحتمال وارد في حال تصاعد الخطاب القومي, وسعي القيادة الايرانية الى توظيف “الخطر الخارجي”.

ج- قد يسهم فشل مسار التهدئة في غزة في رفع منسوب التوتر الاقليمي, وتآكل آليات الاحتواء, الامر الذي يزيد من احتمالية الانزلاق الى تصعيد اوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *